إعادة إعمار غزة كأداة في يد إسرائيل للسيطرة عليها
نشر بتاريخ: 2026/05/24 (آخر تحديث: 2026/05/24 الساعة: 14:23)

تعيش اللجنة الوطنية لإدارة غزة حالة سياسية معقدة تكاد تكون مستحيلة. فمنذ الإعلان عن تشكيلها في منتصف كانون الثاني/يناير 2026، ارتفعت توقعات الفلسطينيين في قطاع غزة بأن تباشر مهامها فعلياً، وأن تعود إلى القطاع باعتبارها الجهة المكلفة بإدارة الحياة المدنية والأمنية وفق الترتيبات التي نص عليها اتفاق وقف إطلاق النار وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803.

لكن الأشهر الماضية كشفت أن اللجنة، رغم ما أُحيط بها من شرعية سياسية ودعم دولي ومحلي، ما تزال عاجزة عن العودة إلى غزة أو ممارسة أي دور فعلي، ليس فقط بسبب التعقيدات الفلسطينية الداخلية، وإنما أساساً نتيجة القيود الإسرائيلية، وعدم التزام إسرائيل بتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، واستمرار تعاملها مع القطاع باعتباره منطقة خاضعة للسيطرة الأمنية المباشرة.

هذا العجز وضع اللجنة في موقع شديد الحساسية؛ فهي تتعرض لانتقادات شعبية وسياسية متزايدة بسبب غيابها وصمتها وعدم قدرتها على اتخاذ مواقف واضحة تجاه ما يُخطط له في القطاع. كما تبدو أسيرة لخطط “مجلس السلام” ومديره التنفيذي نيكولاي ملادينوف، الذي يفاوض حماس ونتنياهو في آن واحد، ويتبنى مواقف سياسية تتضمن اتهامات لحماس بالتعطيل، فيما يعجز عن مقاربة الوقائع بموضوعية أو تسمية المسؤول الحقيقي عن تعطيل الاتفاق.

وفي الوقت ذاته، تبدو اللجنة مقيدة بالكامل بإرادة إسرائيل وقرارات “مجلس السلام” المشرف على تنفيذ الخطة الدولية الخاصة بغزة. ولم يصدر عنها حتى الآن موقف واضح تجاه تعطيل الاتفاق أو تجاه نوايا إسرائيل المتعلقة بالإبقاء على سيطرتها الأمنية والعسكرية على نحو 60% من مساحة القطاع.

ويأتي ذلك في ظل استمرار حرب الإبادة الممتدة منذ أكثر من عامين ونصف، والتي أسفرت عن استشهاد نحو 900 فلسطيني خلال الفترة الأخيرة، بينهم 42 من أفراد الشرطة الذين تستهدفهم قوات الاحتلال ضمن استراتيجية تهدف إلى خلق الفوضى وتهديد السلم الأهلي والمجتمعي، إلى جانب الاغتيالات الممنهجة ضد قادة فصائل المقاومة.

كما تفرض إسرائيل قيوداً شديدة على معبر رفح وحركة السفر، وتتحكم في عدد شاحنات المساعدات الإنسانية، فيما يعيش سكان القطاع أوضاعاً كارثية وغير إنسانية. فالمشهد الصباحي اليومي في غزة بات يفطر القلب: أطفال ونساء بثياب الصلاة، ما تزال آثار النوم على وجوههم، يحملون “جراكل” المياه ويتسابقون إلى طوابير شاحنات مياه الشرب. في غزة يبدأ الصباح بالبحث عن الماء، لا عن الحياة.

وفي موازاة ذلك، يواصل الاحتلال سياسة القصف وأوامر الإخلاء. فخلال الأسبوع الماضي، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر بإخلاء منازل وعيادة طبية في مخيم المغازي، قبل قصف المنطقة، ضمن سلسلة إنذارات شملت أيضاً مخيمات البريج والنصيرات ودير البلح ومواصي خان يونس. كما تتواصل الغارات على الأحياء السكنية في مجمل مناطق قطاع غزة في إطار التصعيد المستمر ضد المرافق المدنية والبنية الاجتماعية في القطاع.

وتثير هذه الهجمات حالة من الرعب بين الفلسطينيين، لأنها تأتي في سياق الخطاب الإسرائيلي المتصاعد حول العودة إلى الحرب واستخدام التصعيد العسكري للضغط على حماس من أجل تقديم تنازلات تتعلق بملف نزع السلاح.

وبحسب الاتفاق، تتولى اللجنة الوطنية الفلسطينية إدارة العمليات اليومية المدنية والأمنية في غزة تحت إشراف “مجلس السلام” الذي تشكل بموجب خطة النقاط العشرين المعتمدة دولياً. غير أن الواقع يكشف أن اللجنة ليست صاحبة القرار الفعلي، بل جهة تنفيذية تعمل ضمن سقف سياسي وأمني تحدده إسرائيل والدول الراعية للخطة.

الأخطر أن ملف إعادة الإعمار لم يعد يُطرح بوصفه استجابة إنسانية لكارثة غير مسبوقة، بل باعتباره أداة لإعادة تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية في غزة. ففي ظل تقديرات تتحدث عن أكثر من 70 مليار دولار لإعادة الإعمار، يجري التعامل مع هذه الأموال باعتبارها مدخلاً لبناء نظام حكم جديد، وإضعاف حركة حماس، وإعادة هندسة المجتمع الفلسطيني في القطاع.

وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة؛ إذ لم تعد إعادة الإعمار مرتبطة فقط بإزالة الركام وبناء المنازل والمستشفيات والبنية التحتية، بل أصبحت جزءاً من مشروع سياسي وأمني متكامل يهدف إلى إنتاج “غزة جديدة” تتكيف مع متطلبات الأمن الإسرائيلي ورؤية الاستقرار الإقليمي التي تتبناها الولايات المتحدة وبعض الدول العربية.

ويظهر هذا التوجه بوضوح في الأوراق البحثية الإسرائيلية والغربية التي تتعامل مع الإعمار باعتباره وسيلة لتغيير البنية السياسية للمجتمع الفلسطيني. ففي ورقة صادرة عن معهد ميتفيم، ترى الباحثة نوعا شوسترمان دفير أن إعادة إعمار غزة يجب أن تُستخدم كأداة لإضعاف مراكز قوة حماس، عبر خلق تبعية اقتصادية ودبلوماسية للسكان تجاه الغرب ودول الخليج، وتحويل القطاع من “جيب مقاومة” إلى كيان سياسي مندمج في منظومة الاستقرار الإقليمي.