فتح بين نتائج المؤتمر ومسؤولية استعادة المشروع الوطني
نشر بتاريخ: 2026/05/20 (آخر تحديث: 2026/05/20 الساعة: 15:04)

القائد الحقيقي لا يُقاس بعدد المناصب التي يتقلدها، بل بقدرته على تحريك الناس نحو هدف وطني مشترك، وبما يمتلكه من خطاب مؤثر يُقنع العقول ويمنح الجماهير الأمل وسط الأزمات. فالكلمة الواعية كانت دائمًا جزءًا أصيلًا من مسيرة الثورات، والقائد الناجح هو من يجيد مخاطبة الناس بلغة تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم.

ورغم كل ما أثير حول آليات الترشح والانتخابات وما رافقها من نقاشات سياسية وتنظيمية واسعة. إلا أن الحقيقة الأهم تبقى أن حركة فتح ليست مجرد إطار تنظيمي، بل حالة وطنية تاريخية ارتبطت بتاريخ الشعب الفلسطيني ونضاله الطويل، وكانت ولا تزال العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني.

إن المرحلة المقبلة تضع الفائزين أمام مسؤولية وطنية ثقيلة، لأن القضية الفلسطينية تمر بواحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا سياسيًا وتنظيميًا وشعبيًا. لذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: من نجح ومن لم ينجح؟ بل: ماذا بعد المؤتمر الثامن؟ وهل تستطيع الحركة تحويل هذا الاستحقاق التنظيمي إلى نقطة انطلاق جديدة لاستعادة المشروع الوطني الفلسطيني؟

لقد أثبتت التجارب السابقة أن قوة الحركات الوطنية لا تكمن فقط في نتائج انتخاباتها، بل في قدرتها على مراجعة أخطائها وتجديد أدواتها واستعادة ثقة جمهورها. ولهذا، فإن المطلوب اليوم من القيادة الجديدة أن تتعامل مع المرحلة بعقلية الشراكة الوطنية، لا بعقلية إدارة التوازنات المؤقتة أو الحسابات الضيقة.

إن الحفاظ على الإرث الفتحاوي التاريخي يجب ألا يكون مجرد شعار، بل مشروع عمل حقيقي يقوم على تطوير الفكر التنظيمي، وإعادة بناء الثقة داخل البيت الفتحاوي، والانفتاح على الطاقات والكفاءات الوطنية القادرة على الإبداع والتجديد. كما أن الحاجة أصبحت ملحة لترميم الحالة الفلسطينية عمومًا، من خلال إعادة الاعتبار لـ منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الجامع للشعب الفلسطيني، وصياغة قرار وطني مستقل يعبّر عن تطلعات الناس ويحمي الثوابت الوطنية.

ومن أبرز الأولويات التي تنتظر المرحلة القادمة:

إنهاء الانقسام الفتحاوي الداخلي بروح المصالحة والشراكة.

العمل الجاد لإنهاء الانقسام الفلسطيني وتعزيز الوحدة الوطنية.

إعادة الحقوق الوظيفية والمالية ومعالجة ملف الرواتب المقطوعة والقضايا التنظيمية العالقة.

فتح الملفات القديمة بروح العدالة الوطنية، وخاصة ملفات عام 2005.

دعم الرواية الفلسطينية عربيًا ودوليًا، وتطوير الخطاب الإعلامي والسياسي الفلسطيني.

استعادة العمق العربي وتعزيز الحضور الفلسطيني في المحيط العربي.

تفعيل ثقافة الحوار والعصف الفكري داخل المؤسسات التنظيمية والسياسية، بما ينعكس على جودة القرار الوطني.

التحضير المبكر للمؤتمر التاسع، وترسيخ مبدأ انتظام الحياة الديمقراطية والتنظيمية داخل الحركة.

لقد تعب الشارع الفلسطيني من حالة الانتظار الطويلة، ومن تكرار الأزمات ذاتها دون حلول حقيقية. لذلك، فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى قيادة تمتلك الجرأة في اتخاذ القرار، والحكمة في إدارة الخلاف، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص وطنية حقيقية.

وفي الوعي الشعبي الفلسطيني تبقى الحكمة الأصدق حين يقال:

"اللي ما تعلم من الثامن… التاسع بعلمه، والمياه تكذب الغطاس."

إن الشعب الفلسطيني لا يبحث اليوم عن انتصارات شكلية أو مشاهد احتفالية، بل عن مشروع وطني قادر على حماية القضية واستعادة ثقة الناس. فالمعركة الحقيقية ليست على المواقع والمناصب، وإنما على مستقبل وطن وقضية وشعب يستحق قيادة ترتقي إلى حجم التضحيات، وتحمل الأمانة بوعيٍ ومسؤولية وإخلاص وطني حقيقي.