فتح بعد المؤتمر الثامن: حين تصبح السلطة هي الحركة
نشر بتاريخ: 2026/05/18 (آخر تحديث: 2026/05/18 الساعة: 18:45)

لا تبدو الأزمة التي تواجه حركة فتح بعد مؤتمرها الثامن مرتبطةً فقط بتداول الأجيال أو إعادة توزيع المواقع داخل اللجنة المركزية. فهي أعمق من ذلك بكثير: أزمة وظيفة ومعنى، أزمة حركة لم تعد تعرف بالضبط لماذا توجد، وماذا تريد أن تكون.

منذ سنوات، دخلت فتح منطقة رمادية بين نموذجين: حركة تحرر وطني تستمد شرعيتها من تاريخ الكفاح، وحزب سلطة يدير بنية سياسية وأمنية وإدارية تحت الاحتلال. هذا التعايش بين النموذجين كان قابلاً للاستمرار في مراحل سابقة حين كانت البيئة المحيطة تتسامح معه؛ أما اليوم، وفي ظل حرب إبادة تطحن غزة، وضفة تتقلص تحت الاستيطان، وسلطة في حالة انهيار اقتصادي متسارع، فقد باتت تلك المنطقة الرمادية أرضاً هشة لا تصلح للوقوف.

شكّل المؤتمر الثامن، في جوهره، إعادة ترتيب داخلية لا مراجعة فكرية. أعاد توزيع النفوذ بين مراكز قوى متنافسة - أمنية وتنظيمية وعائلية ورمزية - دون أن يقترب من الأسئلة الحقيقية المتعلقة بوظيفة الحركة ومستقبلها. والنتيجة لجنة مركزية متعددة الأقطاب لا تجمعها رؤية مشتركة بقدر ما يجمعها الحرص على إبقاء التوازن القائم.

تكشف تركيبة اللجنة المنتخبة عن إخفاقات متراكمة. أولها: أن الحركة تحولت من تعبير عن الوطنية الفلسطينية الجامعة إلى كيان يمثل الجغرافيا المحلية للضفة وغزة. ثانيها: غياب شبه كامل للكفاءات الفكرية والدبلوماسية والأكاديمية التي أسهمت يوماً في بناء الحضور الفلسطيني الدولي، وحلول الرمزية النضالية محل الرؤية الاستراتيجية. وثالثها: أن المؤتمر لم يُرسّخ قيادة جديدة بقدر ما أجّل معركة الخلافة، وأعاد تنظيم التنافس عليها ضمن سقف يضبطه محمود عباس، ما يجعل مرحلة ما بعده مرشحة للاضطراب.

غير أن الأزمة لا تقف عند حدود البنية التنظيمية. ثمة فجوة أعمق تتعلق بعلاقة فتح بمجتمعها. فقاعدة الحركة الاجتماعية ارتبطت تدريجياً ببنية السلطة ذاتها: شبكات الموظفين، والأجهزة البيروقراطية، والعلاقات الزبائنية التي تغذيها الرواتب والامتيازات. وحين تعجز السلطة عن دفع ربع الراتب، وتتوقف البنوك عن الإقراض، ويجد المواطن نفسه عاجزاً امام تغول المستوطنين، فإن هذه القاعدة الاجتماعية تتآكل، وتتآكل معها الشرعية الشعبية للحركة.

والأجيال الجديدة تزيد المشهد تعقيداً. هذه الأجيال لم تتشكل سياسياً داخل ثقافة الثورة التقليدية، بل نشأت في فضاء رقمي مفتوح، وواقع انقسامي مزمن، واقتصاد هش. وهي لا ترى السياسة بعيون الحركات الوطنية الكلاسيكية في القرن الماضي، ولا تقيس الشرعية بمعايير التاريخ والتضحيات وحدها. أمام هذا التحول، تبدو فتح حركةً تتحرك داخل بنية فكرية وتنظيمية تنتمي إلى زمن آخر.

السؤال الذي لم يجب عنه المؤتمر الثامن - ولم يحاول - هو: لماذا توجد فتح اليوم؟ هل هي حركة تحرر وطني؟ أم حزب سلطة؟ أم إطار تاريخي يبحث عن دور في عالم لم يعد يشبه العالم الذي أنتجه؟ وما لم تُجب فتح على هذا السؤال بصدق وجرأة، فإن أي إعادة ترتيب تنظيمية ستبقى إدارةً للأزمة لا تجاوزاً لها.

التحدي الحقيقي أمام فتح ليس تجديد نخبها، بل ما إذا كانت قادرة أصلاً على إعادة اختراع نفسها: مراجعة فكرية تعيد تعريف وظيفتها، وبرنامجاً سياسياً يقول بوضوح ماذا تريد للفلسطينيين وكيف تريده، وعلاقة جديدة مع مجتمع تغيّر وعالم تبدّل. فإن عجزت عن ذلك، فإنها ستترك خلفها فراغاً لا تملؤه قيادة جديدة، بل تيارات أخرى ستحمل الراية التي أسقطتها.