«فتح» بعد المؤتمر .. تحديات كبرى ..!
نشر بتاريخ: 2026/05/17 (آخر تحديث: 2026/05/17 الساعة: 18:06)

ثمانية مؤتمرات تعقدها حركة فتح وهي تدخل عقدها السابع وبتاريخ مزدحم قادت فيه الحركة معظم محطات العمل الوطني الفلسطيني حرباً وسلماً، تمكنت من البقاء حتى هذه اللحظة رغم الهزات الكبيرة التي تعرضت لها ورغم واقع كان من الصعب الوقوف أمامه، لكنها تعود بصخبها وجمهورها تشعل النقاش العام في الواقع الفلسطيني كعادتها منذ عقود.

حتى ساعة نشر هذا المقال تكون الحركة قد أنهت مؤتمرها الثامن الذي كان مقرراً منذ عامين ونصف، فقد تأخر بفعل الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة وتكون نتائج انتخابات الهيئات القيادية؛ اللجنة المركزية والمجلس الثوري قد أعلنت. وما أن ينتهي ذلك تكون فتح أمام واقع أصبح أكثر استعصاء حيث غياب الأفق السياسي لأي حل، وتغول إسرائيلي على الجغرافيا التي تحكمها الحركة من خلال السلطة التي تنحسر صلاحياتها ووجودها المهدَّد وعدم قدرة الحركة على مقاومة عوامل التعرية التاريخية التي تتعرض لها الحركة الوطنية والقضية الفلسطينية.

تحولات كبرى تعرضت لها الحركة في تاريخها أسهمت في إحداث تغيرات في هوية الحركة، كان أكبرها الانعطافة الهائلة من حركة التحرير بالسلاح نحو تنحية السلاح لصالح مشروع سياسي ومحاولة تحقيق الحلم بالتفاوض المباشر وبما يفرض هذا التحول من تغيرات في بنية الحركة من حركة عسكرية مسلحة نحو حركة سياسية مدنية، حاولت استعادة زمن السلاح في الانتفاضة الثانية لتجد نفسها غريبة عن مستجدات فرضتها سنوات السياسة.

كان هذا التحول يأكل من رصيد الحركة لصالح نقاش عام تزايد مع صعود اليمين على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بفعل الانتفاضة وفشل مسار السياسة وأوسلو.

فتح ابنة الستينيات وهي وليدة مُناخات مختلفة ببعدها الإقليمي القومي شديد الحماسة للكفاح ضد إسرائيل، وبوجود زعامة بحجم عبد الناصر وأمة عربية تنتظر النداء ومُناخات الحرب الباردة والاتحاد السوفييتي تجد نفسها اليوم في واقع لا يشبهها وهي لم تعد تشبه نفسها سوى استمرار الحلم.

فكل شيء تغير ولم يكن غريباً أن تجد صعوبة في إيجاد برنامج سياسي يتلاءم مع اللحظة لذا لم يكن من المصادفة غياب النقاش السياسي عن الحدث الكبير.

الهزة الثانية التي حدثت لحركة فتح كانت في انتخابات المجلس التشريعي الثانية عام 2006 حين خسرت الحركة الأغلبية التي اعتادت عليها في قيادة المؤسسات الفلسطينية، وبروز منافس قوي تمكن من التغلب عليها ودفعها للمعارضة لتجد نفسها في وضع لم تتأهل للقيام به، فعلى امتداد تاريخها الطويل منذ نشأتها لم تجلس فتح في صفوف المعارضة.

وفي عام 2007 تمكنت حركة حماس من توجيه ضربة قوية لحركة فتح، من خلال طرد سلطتها من قطاع غزة وفرض قدر من الحظر على الحركة وملاحقتها لتخسر فتح الجغرافيا التي بدأ يتجسد عليها مشروعها السياسي بإقامة السلطة كنواة للدولة في غزة وإقامة مؤسساتها في ذلك المكان.

بخسارتها قطاع غزة كانت الحركة تفقد جزءا مهماً من هويتها، فقد نشأت الحركة في القطاع وتأثرت بمُناخاته وسماته الخاصة كمنطقة ساحلية ضمت الكتلة الأكبر للاجئين، منطقة لها فرادة خاصة في الشخصية الغزية، فقد كانت الخلية الأولى بمعظمها من القطاع؛ ياسر عرفات وخليل والوزير وصبري صيدم وصلاح خلف وأبو يوسف النجار، وحملت الحركة حتى السمات الشخصية لجيل التأسيس متأثرين بالجغرافيا وكان لا بد بفقدانها لجغرافيا التأسيس أن تطرأ تغيرات ما على هوية الحركة.

تجسيد برنامج حركة حماس في السابع من أكتوبر الذي أدى لهذه النتائج كان يعيد الاعتبار لواقعية فتح السياسية بعيداً عن المغامرات.

لذا كان الاهتمام الكبير بمؤتمر فتح الذي ينعقد بعد القفزة الكبيرة التي قامت بها حماس؟

فالناس تتمسك بحركة فتح باعتبارها الوحيد الذي يمكن أن يشكل خشبة خلاصها أمام اندفاعات الفصائل الأخرى التي ثبتت كلفة برامجها على الفلسطينيين وكلفة حضورها بينهم، وإن كان قد تعثر أيضاً برنامج حركة فتح لكن هذا التعثر كان أقل كلفة، وإن كان في الأمر ما يفرض على الحركة إعادة سؤال البرنامج بعد المأزق الوطني العام الذي أصيبت به البرامج فلا السلام ولا السلاح يقدران على انتزاع الحقوق من إسرائيل. هنا مسؤولية فتح.

تحولت فتح من الثورة للسلطة، وكان من الصعب على الحركة التي ولدت في أجواء معينة أن تنجح في أجواء أخرى، وفي ظل السلطة لا بد أن يظهر الفساد الذي تأثرت به الحركة.

ومع صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يعمل جاهداً على إزالة آثار أوسلو الذي وقعه النقيض اليساري كان مشروع حركة فتح يزداد اختناقاً.

وحين فقدت الحركة دورها الوظيفي كحركة تحرر كانت تقوم بدور وظيفي آخر وهو دور خدماتي بعشرات آلاف من الموظفين، لكن هذا بدأ يتعثر أيضاً بما تصادره إسرائيل من أموال للسلطة.

ومع تهديدات حل السلطة يصبح مشروع بقاء الحركة أمام تساؤلات كبرى بالتأكيد لم يجب عليها المؤتمر الذي تعاطى معه معظم الحاضرين أنه مجرد احتفال انتخابي وتنافس بين المتقدمين للمواقع القيادية.

بسبب خصومتها نجت فتح من مسؤولية السابع من أكتوبر التي طالت باقي الفصائل التي كانت شريكة لحركة حماس، وهذا أعطاها قدراً من الحركة ولكنها لم تنجُ من مُناخات تولدت بعدها تنذر بالانقضاض على النظام السياسي الفلسطيني.

وهذا يطرح تحدياً أكبر على فتح وسؤال قدرتها بمخرجات هذا المؤتمر على مواجهة القادم.