"يوروفيجن".. من مسابقة غنائية إلى ساحة صراع سياسي وثقافي في أوروبا
نشر بتاريخ: 2026/05/17 (آخر تحديث: 2026/05/17 الساعة: 12:07)

فيينا - شكّلت مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» على مدار سبعة عقود واحدة من أبرز الفعاليات الموسيقية في أوروبا والعالم، بعدما تحولت من مجرد منافسة غنائية إلى منصة ثقافية وسياسية تعكس التحولات الاجتماعية والانقسامات الدولية، إلى جانب دورها في صناعة النجوم وإعادة تشكيل الذائقة الموسيقية الجماهيرية.

ومنذ انطلاقها، استضافت المسابقة أسماء فنية بارزة، من بينها فرقة «آبا» السويدية والمغنية الكندية سيلين ديون، لتصبح لاحقاً رمزاً للتكامل الأوروبي ومنبراً يجمع فنانين من مختلف الدول عبر هيئات البث الرسمية المشاركة.

ومع اقتراب النسخة الجديدة التي تستضيفها العاصمة النمساوية فيينا هذا العام، بالتزامن مع الذكرى السبعين للمسابقة، عادت «يوروفيجن» إلى الواجهة وسط جدل سياسي متصاعد ومقاطعات مرتبطة بمشاركة إسرائيل على خلفية الحرب في قطاع غزة.

ورغم طابعها الفني والترفيهي، لم تكن المسابقة بعيدة عن التوترات السياسية عبر تاريخها، إذ عكست في محطات عدة صراعات دولية وتحولات جيوسياسية، بدءاً من مرحلة الحرب الباردة وغياب دول الكتلة الشرقية، مروراً باحتجاجات ضد أنظمة الحكم في إسبانيا والبرتغال، وصولاً إلى الانسحاب اليوناني عقب الغزو التركي لقبرص، إضافة إلى تأثير النزاعات بين روسيا وجورجيا، وأرمينيا وأذربيجان.

وفي عام 2022، استُبعدت روسيا من المشاركة عقب غزوها لأوكرانيا، قبل أن تحصد الأخيرة الفوز عبر فرقة «كالوش أوركسترا»، في نسخة طغت عليها الأبعاد السياسية للحرب.

كما تأثرت نسخة هذا العام بشكل واضح بتداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة، مع إعلان عدة دول مقاطعتها أو اعتراضها على مشاركة إسرائيل، ما أعاد النقاش بشأن حدود الفصل بين الفن والسياسة داخل المسابقة، خاصة في ظل تصاعد المواقف الشعبية والحقوقية الداعمة للفلسطينيين.

ومع توسع «يوروفيجن» مطلع الألفية لتشمل دول أوروبا الشرقية، تحولت المسابقة إلى أداة رمزية لتعزيز الهوية الأوروبية، حيث استخدمت بعض الدول المشاركة لتأكيد حضورها السياسي والثقافي داخل الفضاء الأوروبي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

ولم تقتصر المسابقة على التمثيل الوطني، بل أصبحت مساحة لتقاطع الثقافات، مع تزايد الأغاني متعددة اللغات والعروض التي تعكس التنوع الاجتماعي والثقافي داخل القارة.

وعلى الصعيد الاجتماعي، تحولت «يوروفيجن» إلى منصة لطرح قضايا إنسانية واجتماعية حساسة، من بينها قضايا الإعاقة والعنصرية والجندر والهوية، ما عزز صورتها كمساحة للتعبير الفني المفتوح خارج الأطر التقليدية.

كما لعبت المسابقة دوراً محورياً في صناعة نجومية عالمية لعدد من الفنانين، وفي مقدمتهم فرقة «آبا» وسيلين ديون، إلى جانب أسماء حديثة حققت انتشاراً واسعاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي حتى دون الفوز باللقب.

ورغم الانتقادات التي وُجهت إليها في مراحل سابقة باعتبارها مسابقة استعراضية أو سطحية، استعادت «يوروفيجن» مكانتها الثقافية خلال السنوات الأخيرة، بعد تجديد هويتها الفنية والبصرية وتوسيع قاعدة جمهورها داخل أوروبا وخارجها.

ويرى مراقبون أن «يوروفيجن» لم تعد مجرد حدث موسيقي سنوي، بل باتت مرآة تعكس التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية في أوروبا، ومنصة يتقاطع فيها الفن مع الهوية والذاكرة والجدل السياسي.