لم تعد تصريحات الوزير الإسرائيلي إيتمار بن غفير مجرد مواقف متطرفة صادرة عن سياسي يعيش على خطاب الكراهية والتحريض، بل باتت تعكس عقلية استعمارية متكاملة ترى في الحرب فرصة لإعادة رسم خرائط المنطقة بالقوة. فحين يتحدث مسؤول إسرائيلي علنًا عن تهجير الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية، ثم يلمّح إلى إقامة مستوطنات داخل الأراضي اللبنانية، فإن الأمر يتجاوز حدود التصريحات الإعلامية ليصبح مشروعًا سياسيًا خطيرًا يهدد حاضر المنطقة ومستقبلها.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد توسع استيطاني تقليدي، بل زحفٌ يلتهم الأرض ويُقلِّص الإنسان العربي في وطنه وحقوقه وذاكرته. فالمستوطنات التي تبتلع الضفة الغربية يومًا بعد آخر، والسياسات التي تدفع نحو تفريغ غزة من أهلها، ليست سوى حلقات في مشروع أكبر يسعى إلى فرض واقع جديد يقوم على القوة العسكرية وفرض الأمر الواقع، وسط صمتٍ عربي يثير القلق والأسى معًا.
الأخطر أن الخطاب الإسرائيلي المتشدد لم يعد يكتفي بفلسطين المحتلة، بل بدأ يتحدث بجرأة عن جنوب لبنان، وكأن المنطقة العربية بأكملها تحولت في نظر اليمين الإسرائيلي إلى مساحة مفتوحة للأطماع التوسعية. وهذا التحول يكشف أن شهية التوسع لا تتوقف عند حدود معينة، بل تنمو كلما تراجع الموقف العربي الرسمي واكتفى بردود فعل باهتة لا ترتقي إلى مستوى التهديد.
أين العرب اليوم من هذه التصريحات؟
أين الجامعة العربية؟
وأين أدوات الضغط السياسية والاقتصادية والدبلوماسية القادرة على وقف هذا الانفلات الإسرائيلي؟
لقد أثبتت التجارب أن الاحتلال لا يفهم لغة البيانات الخجولة، بل يواصل التمدد كلما شعر أن كلفة سياساته محدودة. وما نشهده اليوم من دعوات للتهجير وإعادة الاستيطان في مناطق عربية جديدة قد يكون مقدمة لمرحلة أكثر خطورة، تدفع المنطقة نحو انفجار إقليمي واسع لا يمكن لأحد التنبؤ بنتائجه.
إن الدفاع عن فلسطين لم يعد قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، بل أصبح دفاعًا عن مفهوم الدولة العربية وحدودها وحق شعوبها في الأمن والسيادة. فحين يصبح الحديث عن الاستيطان في لبنان أمرًا طبيعيًا داخل الخطاب السياسي الإسرائيلي، فهذا يعني أن الخطر بات يطرق أبواب الجميع دون استثناء.
قال الشاعر محمود درويش:
"على هذه الأرض ما يستحق الحياة."
لكن الأرض لا يحميها الشعر وحده، بل تحميها المواقف الصلبة والإرادة السياسية والوحدة الحقيقية. فالتاريخ لا يرحم أمةً شاهدت أرضها تُلتهم بصمت، ثم اكتشفت متأخرة أن النار التي بدأت في فلسطين امتدت إلى أبواب الجميع.