نتنياهو وساعة الصفر!
نشر بتاريخ: 2026/05/11 (آخر تحديث: 2026/05/11 الساعة: 19:26)

عن أي ساعة صفرٍ نتحدث؟

ساعة الصفر التي نتحدث عنها هي الساعة التي يقرر فيها نتنياهو أن يهاجم إيران بكل قوة، وبكل ما يمتلك من وسائل وأدوات وقدرات، بهدف تدمير كل ما يتعلق بقدرة إيران من بنى عسكرية واقتصادية، بما في ذلك كل منظومات الطاقة، وكل ما يمكن أن يصل إليه سلاح الجو الإسرائيلي من مرافق ومؤسسات، أملاً في أن يؤدي ذلك إلى شل قدرات النظام الإيراني في المدى المباشر، وإلى إضعافه على طريق إسقاطه في المدى المتوسط أو البعيد.

الأمل الذي يحدو نتنياهو في هذه المرة، وهي المرة الثالثة الكبيرة هي أن تكون «الثالثة الثابتة» بعد فشل المرتين السابقتين.

لكن مشكلة نتنياهو التي لا يبدو أن ثمة حلاً لها هي أن ساعة الصفر هذه ليست بيده، حيث إن توقيتها ليس إسرائيلياً، وليس لها أي قيمة استراتيجية أو حاسمة طالما أن الولايات المتحدة ليست طرفاً شريكاً، ولا هي قائمة على مباركة ترامب ومصادقته.

وبالنظر إلى كل الظروف المحيطة، فإن ساعة الصفر هذه هي أصعب ساعة مرت على نتنياهو في حياته السياسية كلها.

نتنياهو، وهو يدرك يقيناً بأن السنوات الثلاث من الحرب في الإقليم، وعلى كل الجبهات لم تحسم ولا ملفاً واحداً، وأن نتائج هذه الحرب لا تتحدث عن «إسرائيل الكبرى»، وعن الشرق الأوسط الجديد، وفي القلب منه «إسرائيل الكبرى»، المسيطرة ولم تكن سوى وهم دعائي ليس له ما يسنده في الواقع القائم.

إليكم أهم الظروف البالغة الصعوبة التي تحيط بساعة الصفر هذه:

الأول: هو عامل الوقت. ليس لدى نتنياهو ترف الانتظار الطويل هذه المرة، فالانتخابات الإسرائيلية تقترب، والحملات الانتخابية بدأت بالفعل، والجبهات الجديدة سريعاً ما تتشكل وتتبلور، ومعالم الخارطة السياسية والحزبية تتضح ملامحها أكثر فأكثر، والخناق يشتد على عنق نتنياهو، وتبدو المعارضة الإسرائيلية أكثر إصراراً وحزماً في التوجه الجاد لإسقاط نتنياهو من أي مرحلة سابقة، بالرغم من أن هذه المعارضة هي معارضة يمينية من حيث طابعها العام، وبالرغم من عدم وجود برنامج سياسي بديل لدى هذه المعارضة عن النهج العام للائتلاف الحاكم.

الثاني: هو العامل الأميركي. يبدو واضحاً أن الرئيس ترامب قد انتقل في المواجهة مع إيران من الجبهة العسكرية، بالمعنى الكبير لهذه الجبهة إلى الجبهة الاقتصادية، ولولا الظروف الداخلية المتأزمة لديه بالنسبة للخيار العسكري المتوسط على الأقل لما تراجع، والواضح أكثر من أي وقت مضى أن الرئيس ترامب أدرك أن العودة إلى الحرب لم تعد آمنة، لا من زاوية عدم تحولها إلى حرب إقليمية، ولا من زاوية تورط الولايات المتحدة في حرب ممتدة أخرى، بعد أن تصبح حرب استنزاف لا يؤيدها الشعب الأميركي، ولا يراها ضرورية، وينظر إليها باعتبارها الحرب التي تمثل المصالح القومية العليا لأميركا.

وبهذا المعنى فإن نتنياهو أمام أصعب معادلة عاشها في حياته. فهو لا يستطيع الانتظار طويلاً، وهو كذلك لا يفضل المفاوضات بين أميركا وإيران، وهو يدرك أن ترامب أكثر ميلاً للذهاب إلى اتفاق، وقد لا يذهب إلى اتفاق شامل، لكنه لم يعد مستعداً للرجوع إلى الحرب.

لا يحتاج المرء إلى عبقرية سياسية حتى يدرك أن النقاط التي طرحتها

الولايات المتحدة على إيران، وتنتظر الجواب عنها منذ ما يزيد على الثمانية أيام لا تتضمن البرنامج الصاروخي، ولا حلفاء إيران، وهي أساساً تتعلق بالبرنامج النووي، وبالعقوبات، وبمضيق هرمز.

وهكذا فإن الاتفاق الأميركي، بصرف النظر عن تفاصيله، يطيح فعلاً، وليس قولاً فقط، بالأهداف الإسرائيلية من حربها على إيران، لأن إيران لديها الاستعداد الكبير لتقديم تنازلات كافية للاتفاق مع الولايات المتحدة حول هذا البرنامج.

وهنا يكون نتنياهو أمام احتمالات خسارة عالية، إن لم تكن مؤكدة، وهي سياسيا مدمرة.

الثالث هو أن نتنياهو الذي لا تنقصه الخبرة، ولا الحنكة السياسية، يدرك أكثر من غيره أن الجمهور المؤيد للذهاب إلى الحرب ليس هو نفس الجمهور الذي يؤيد الذهاب إليها بدون الولايات المتحدة، وأن هذا الجمهور نفسه لم يعد مقتنعاً بأن دولة الاحتلال قد ربحت الحرب، أو أن الملفات قد حُسمت لصالحها، حتى على المستوى الداخلي، وذلك بسبب هذا الواقع بالذات، وبعد أن تبخرت لحظات النشوة التي عاشتها الجماهير في مراحل «الانبهار» التي كانت عليها تلك اللحظة، فقد أصبح الذهاب إلى حرب كبرى جديدة هو التعبير عن أزمة قوامها اليأس والخذلان السياسي وفقدان الثقة بالدولة، والدخول في دوامات انعدام الأمن والأمان، وبالتالي فإن الحرب إن لم تكن أميركا على نفس المستوى من الانغماس، والانخراط الكامل بها، فستكون بمثابة انتحار سياسي مؤكد.

الرابع: نتنياهو يدرك أن الاستراتيجية الإيرانية المرنة قائمة على محاولة مثابرة لفصل الاتفاق الأميركي الإيراني، عن الاتفاق الإيراني الإسرائيلي لإنهاء الحرب، إلا إذا قبلت إسرائيل بأن يشمل هذا الاتفاق كل الجبهات في غزة، لبنان، وربما اليمن.

ومن هنا فإن مخاوف نتنياهو تصل فعلياً في الوقت الراهن إلى أعلى درجات الخطورة عليه، وعلى الائتلاف الذي يقوده.

كيف سيتابع معركته في لبنان إذا استمر الرهان على صدام سياسي في لبنان، وأجبرت الحكومة والكتلة الموالية لها على إعادة طرح وقف إطلاق النار، خصوصاً أن الرئاسة والحكومة «الراهنة» لم تعودا بالاندفاعة التي كانتا عليها، وكيف سينجح في معركته ضد قطاع غزة في ظل التوافق الدولي على وقف حرب الإبادة حسب مقررات شرم الشيخ، بل كيف سينجح في معركته في الضفة في ظل الرفض الدولي لخطط الضم والاستيطان، وكيف سيواجه الرفض الدولي المتصاعد ضد كل هذه المعارك؟ من شعوب الأرض، ومن القانون الدولي ومن حكومات معظم دول العالم بما فيها الغربية.

أقصد أن «المغامرة» التي يراهن عليها نتنياهو القائمة على الاستفراد بلبنان وفلسطين مقابل القبول بالاتفاق الأميركي الإيراني، أكثر خطورة، ولم يعد نتنياهو واثقاً بأنها مغامرة «أمنة»، أو يمكن أن تشكل له ملاذاً آمناً، أو مخرجاً مناسباً من أزمة الائتلاف الحاكم، أو أزمة خلاص له بأي حال من الأحوال.

نتنياهو في وضع لا يُحسد عليه، فهو غير قادر على مغادرة المشهد بالاعتزال من الحياة السياسية، ولم يعد قادراً على ضبط «الليكود» على مقاسه الخاص، ولم يعد قادراً على ضمان مشاركة ترامب في حرب كبرى جديدة، تجدد له «الأمل»، ولم يعد قادراً على مقايضة الاتفاق الأميركي الإيراني «بحرية» العمل في فلسطين ولبنان، ولم يعد قادراً على الذهاب إلى حرب حقيقية منفردا ضد إيران، وساعة الصفر ليست بتوقيتاته، ولا بتوقعات دولة الاحتلال كلها، وهو في حالة صراع بين الانسحاب، وبين الغرق والإغراق.

فهل سينصاع نتنياهو لقواعد اللعبة الجديدة، الداخلية والخارجية «معاً»، والأميركية تحديداً، وعلى وجه الخصوص؟ أم إنه سيغامر بكل شيء، ويورط «النظام الإقليمي» بل والعالم كله بحرب منفلتة من كل عقل وعقال؟

هذا ما يجب متابعته في المقالات القادمة.