تتكامل الاستعدادات لعقد المؤتمر العام الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في 14 مايو/ أيار الجاري، ضمن آلية جديدة تتعلّق بمكان الانعقاد؛ إذ ستكون هناك عدّة قاعات في أكثر من مدينة ودولة (في رام الله وغزّة ومصر ولبنان). وتحوّل انعقاد المؤتمر سريعاً إلى حدث يستقطب رأياً عامّاً واهتماماً واسعين، فلسطينياً وعربياً. وعلى مستوى الحركة الداخلي، يكاد الجدل يتركّز حول أصحاب الحقّ في حضور المؤتمر، أي أعضائه، ولماذا استُبعِد هذا العضو أو ذاك. ويرافق هذا الجدل (بدرجة أقلّ) قضايا جدلية تتعلّق بالحركة وأوضاعها وتنظيمها، لكنّ الغائب فعلياً جدل بين برامج أو تيّارات سياسية، وغياب أسئلة سياسية كبرى، رغم ما تواجهه القضية الفلسطينية من قضايا مفصلية لم تعد "فتح" في معظمها رقماً صعباً، وتفقدها مكانتها تدريجياً.
بشكل عام، يمكن تقسيم القضايا التي تواجه مؤتمر "فتح" (وهو الأعلى في صناعة القرار داخل الحركة، والذي ينتخب قيادته) إلى مهمَّتَين، بينما توجد ثلاثة سيناريوهات لنتائج المؤتمر، إن عُقد فعلاً. المهمّتان هما: أولاً، إعادة ترتيب أوضاع الحركة الداخلية. وثانياً، صياغة البرنامج السياسي الوطني. اختِير أكثر من 2500 شخص لعضوية المؤتمر المزمع عقده، ويتركّز الجدل حول من دخل المؤتمر ومن لم يدخله، مع قدرٍ قليل من الجدل المعلَن حول تنظيم الوضع الداخلي للحركة.
ففي المؤتمر السابق (السابع)، كان هناك، في الأيّام التي، سبقته جدلٌ حول مسوّدة تعديلات كبيرة مقترحة على النظام الأساسي للحركة، وعُقدت حينها جلسات نقاش واسعة حولها، خصوصاً تلك التي عُقدت في قاعات فندق الحمراء الصغير والتاريخي، القريب من مقرّ المقاطعة الفلسطينية، وحضرها المئات. ودافع عن التعديلات يومها عضو اللجنة المركزية حينذاك صخر بسيسو، الذي لم ينجح لاحقاً في الاحتفاظ بموقعه في اللجنة خلال الانتخابات. كما عالجت لجان مصغّرة أمر هذه التعديلات، وكان ممّن قاد هذه اللجان صائب عريقات، عضو اللجنة المركزية حينذاك (رحمه الله). وقد تقرّر وقتها ترحيل التعديلات لتُناقَش بعد المؤتمر، ولا يُعرف إن كان الأعضاء سيجدون أنفسهم الآن أمام نظام جديد مُقترَح.
أولى النقاط التي تفترضها التعديلات هي جدل "العلنية والسرّية"؛ فالحركة صاغت أنظمتها في زمن الكفاح المسلّح والعمل السري، أمّا الآن فأسماء الأعضاء وقضايا العضوية متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي، وبما أنّ الأمر تغيّر، فإنّ نمط عضوية جديداً بات مطلوباً أكثر. ولا يتوقّف جدل السرّية والعلنية هنا؛ فهناك أيضاً طريقة الانتخاب في الحركة، خصوصاً لعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري (الهيئتان القياديتان في غياب المؤتمر)، إذ جرت العادة أن يكون فرز الأصوات سرّياً لا يحضره الأعضاء، وهو ما كان يثير أحياناً لغطاً حول دقّة الفرز وصحّة النتائج. حتى إنّ بعض أوساط الحركة تحدّثت عن أنّ الاقتراع يكاد يكون علنياً (لوجود عدد كبير من المقترعين في وقت واحد)، بينما يبقى الفرز سرّياً، مع أنّ الأصل هو العكس.
ومن الأفكار المطروحة (قد تشكّل مفاجأةً تخلط الأوراق لو أُقرّ نظام انتخابي جديد) أنّ أحد البنود الصعبة والخلافية في الحركة هو أنّ من يترشّحون للجنة المركزية (قيادة الحركة) لا يحقّ لهم الترشح للمجلس الثوري، وهو ما كان يحرم قيادات وازنة من عضوية الهيأتين؛ فإذا خسر المرشَّح "المركزية"، فلا فرصة له في "الثوري". ومن الأفكار المطروحة أن ينتخب المؤتمر الثوري بعد توسيعه، ثم ينتخب اللجنة المركزية من أعضائه، لكن ذلك يحتاج إلى تغيير النظام الأساسي. وإلى جانب الجدل حول السرية والعلنية، هناك نقاش يجري بوتيرة أقلّ بشأن أموال الحركة ومؤسّساتها، ومن ذلك ممتلكاتها في دول مثل لبنان وسورية. وممَّن يثيرون هذا الجدل في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي السفير السابق في لبنان أشرف دبّور، الذي دخل في خلاف مع ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني الذي يُشار إليه أحياناً باسم "الممثّل الشخصي للرئيس"، وتُوكل إليه أدوار في ملفّات، من بينها هذه الممتلكات. ويحتاج هذا الجدل، من جهة، إلى آلية جديدة أكثر شفافية في إدارة شؤون الحركة، بما أنّ العصر تحوّل نحو العلنية؛ ومن جهة ثانية، يطرح موضوع دور ياسر عباس، إذ ثمّة جدل حول احتمالية انتخاب عبّاس (الابن) لعضوية اللجنة المركزية وتصعيده في سلّم القيادة، وما عزّز الجدل إعلان زياراتٍ شبه يومي يقوم بها قبيل المؤتمر بصفته "ممثّل الرئيس" لدوائر وهيئات رسمية وشعبية.
من قراءة عضوية المؤتمر، يمكن القول إنّ هناك مئات الأصوات على الأقلّ ممن يمكنهم إحداث مفاجآت، وليس من السهل ضمان موافقاتهم في القضايا المختلفة، ومن ضمنها موضوع انتخاب شخص بعينه، سواء أكان ياسر أم غيره. وقد تتحرّك قيادات تقليدية في الحركة أيضاً لمنع تصعيد ياسر. غير أنّ الأكثر أهمّيةً أنّ الجدل حول ياسر قد يؤدّي إلى نوع من الإلهاء، وإلى تخفيف الاهتمام بتمرير آخرين وإحكام مواقعهم في الحركة، خصوصاً في موقع نائب الرئيس الفلسطيني في "المنظّمة" و"الدولة".
في النظام الأساسي المقترح (غير المُقرّ) الذي طُرح في المؤتمر السابع، كان هناك توجّه خطير لزيادة الربط بين السلطة الفلسطينية والحركة؛ إذ تضمنت بنوداً تريد إعطاء مقاعد في هيئات الحركة للعاملين في "المؤسّسات الرسمية"، وتمنح اللجنة المركزية دوراً في اختيار مسؤولي السلطة، وكان ذلك من نقاط الجدل التي عقّدت إقرار النظام. والسؤال الأساس: هل يمكن للحركة أن تعيد فعلاً تعريف علاقتها مع السلطة، وأن تفصل ذاتها عنها سياسياً وإدارياً ومالياً؟
إذا كانت المهمّة الأولى للحركة ومؤتمرها هي ترتيب الأوضاع الداخلية، فإنّ الثانية (التي ستحدّد مستقبل الحركة وقدرتها على البقاء واستمرار دورها) هي وضع برنامج وطني. وهذا هو الغائب الأكبر في الجدل الراهن؛ ففي المؤتمرات، حتى في المؤتمر الخامس للحركة، كان هناك عادةً في أروقة المؤتمر جدل حول قضايا مثل أدوات المقاومة، وبرنامج التسوية السياسية، والعلاقة مع القوى المختلفة، أمّا في المؤتمرات التي عُقدت في الوطن بعد العودة من الخارج فغاب منها نقاش سياسي محدّد.
على مقربة من مكان المؤتمر في رام الله، وعلى الطرق المؤدّية إلى مكان الانعقاد، يزداد عنف الاحتلال والمستوطنين، ولا تبدو لدى قيادة الحركة أيُّ خطّة ميدانية للمواجهة أو التصدّي، بل إنّ أطر المقاومة الشعبية المرتبطة بالحركة التي كانت فاعلةً في التصدّي لهذا الخطر، تراجع حضورها كثيراً في السنوات الثلاث الماضية. وفي قطاع غزّة دارت الحرب والمفاوضات (ولا تزال) في ظلّ تهميش كبير للحركة، وتسهم في هذا التهميش قيادة الحركة التي ترفض أيّ دور حقيقي، كما تسهم به حكومة الاحتلال وباقي القوى الدولية التي تريد إبعاد أيّ ممثّل موحّد للفلسطينيين. ومن دون برنامج يعيد دور الحركة رقماً صعباً في الميدان، ستفقد ما تبقّى من مكانتها، على قاعدة: "من لا يقم بدوره يفقد مكانته". ووضع برنامج يجمع بين مرحلتي السلطة وحركة التحرّر موضوع مطروح دائماً، لكن لا أحد ينفذ آليةً حقيقية لتبنّيه.
ثمّة ثلاثة سيناريوهات متوقعة: الأول أن يقتصر انعقاد المؤتمر على إعادة إنتاج الواقع، مع تعديلات شكلية في أسماء الأشخاص، من دون تعديل في أنظمة الحركة وبُناها، ما سيؤدّي إلى مزيد من تراجع دور الحركة ومكانتها. الثاني حدوث تعديل، لكن باتجاه المزيد من الربط بين السلطة الرسمية والحركة، بما يحوّلها أكثر إلى حزب حاكم (لا يحكم شيئاً فعلياً)، ومن دون تبنّي برنامج وطني لمواجهة الاحتلال؛ وسيكون من مؤشّرات هذا السيناريو نظامٌ أساسي جديد محافظ يعوق التجديد في الحركة ويزيد من الارتباط بالسلطة. الثالث حدوث اختراق، عبر تصعيد جزء من القيادة ذات توجّه قادر على فرض تغيير يؤدّي إلى استعادة الحركة ودورها، على أن يكون ذلك مجرّد بداية ممكنة.