ما بين صباح الإثنين ومساء الثلاثاء الماضي، أي خلال أقل من 48، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن عن إطلاق مشروع «حرية الملاحة» في مضيق هرمز، ثم تعليقه وللإيحاء بجدية العملية العسكرية البحرية، أعلن عن أنها تشمل 15 ألف جندي أميركي، وأكثر من 100 طائرة، ومدمرتين بحريتين، ترافقان السفن العالقة منذ أكثر من شهرين، للخروج من مياه الخليج، وللحفاظ على ماء الوجه، أو لإخفاء حقيقة التراجع عن العملية، التي بذلك لا تعدو كونها كانت «مجرد تهديد» أو تلويح بالقوة، قال ترامب إن ذلك كان بسبب طلب الوسيط الباكستاني، ولوجود تقدم في التفاوض، لدرجة أنه قال إنه يمكن أن يتم التوصل للاتفاق خلال أيام، أو بعد أسبوع.
أما الحقيقة التي باتت واضحة تماماً، فهي أن «عقدة منشار الحرب» هي مضيق هرمز، بما يحدثه من تأثير لا يحتمل إطالة الوقت، على الاقتصاد العالمي، ومنه الاقتصاد الأميركي، حيث ينعكس إغلاق المضيق تضخماً في أسعار السلع داخل الولايات المتحدة، لذلك فإن مزيداً من التوتر الفعلي، يزيد من ارتفاع سعر برميل النفط، لذلك يحاول ترامب من خلال التلويح بفتح المضيق بالقوة، أو من خلال الإيحاء باقتراب عقد الاتفاق إحداث هبوط في سعر النفط، أو على الأقل وقف تصاعده المستمر، ولأن فتح المضيق، أو بالأحرى المرور الآمن للسفن التجارية ولناقلات النفط، لا يتحقق في ظل الاشتباك العسكري، ولا في ظل التهديد بفتح المضيق بالقوة، فإن السفن العالقة، وعددها يتجاوز ألفي سفينة وناقلة نفط، ستبقى مكانها، لا تتحرك، لذلك أطلق ترامب أكثر من مرة، خاصة عند إعلانه عن «مشروع حرية الملاحة»، إشاعة التوافق مع إيران على بادرة إنسانية، بعد أن ثبت له أن التهديد المغلف بالنعومة، لم يؤتِ أكله، فعاد ليعلن تعليق العملية، بعد أن نفت إيران وجود أي توافق على هذا الأمر، وإرفاق إعلانه التعليق بوجود تقدم في ملف التفاوض.
وقد ذهب «أكسيوس» بعيداً إلى حد القول بوجود مذكرة تفاهم من ورقة واحدة، تتضمن إعلان إنهاء الحرب، وبدء مفاوضات مكثفة لمدة 30 يوماً، لترد إيران عبر وكالة «تسنيم» بالقول إنها لم ترد على المقترح الأميركي الخاص بمذكرة التفاهم لتهدئة الأوضاع، ومؤكدة أن المسودة الحالية تتضمن بنوداً غير مقبولة، أما ترامب فما زال يقول كلاماً لا أساس له في الواقع، وكأنه يمني النفس، ولأنّ أمامه استحقاق الزيارة إلى بكين الذي أجله أكثر من مرة، ارتباطاً بحربه على إيران، فقد قال بالحرف، إن هناك احتمالاً حقيقياً لإنهاء الحرب، وإنه يمكن التوصل إلى الاتفاق حتى قبل زيارته إلى الصين، المتوقعة منتصف الشهر الجاري.
بالطبع يمكن إعلان إنهاء الحرب، والتوصل لاتفاق خلال ساعات، لكن ذلك يعتمد على مضمون الاتفاق بالطبع، ويمكن لترامب أن يقرر إنهاء الحرب وسحب «أساطيله» من الشرق الأوسط فوراً، بل ويمكن له أن يعقد اتفاقا مقبولاً على إيران خلال ساعات وليس أياماً، ولكن السؤال هو، هل هو مستعد لفعل ذلك، مع العلم أن هذا سيكون إعلان هزيمة من قبله، أو إعلان فشل على الأقل، وبالتحديد تأكيداً على خطأ الذهاب للمغامرة العسكرية غير المحسوبة، فإيران بعد أن واجهت أقصى ما في جعبة أميركا وإسرائيل معاً، باتت مع الوقت أكثر جرأة، ليس على المواجهة العسكرية، وليس على عدم الاهتمام بالتهديدات بالعودة لاستخدام القوة، بل في ساحة التفاوض، وذلك بعد أن صمدت في الميدان، بل وحتى في ظل مقارعة حزب الله للجيش الإسرائيلي باقتدار في جنوب لبنان، حيث إنه رغم ربط وقف إطلاق النار بين جبهتي المواجهة العسكرية، إلا أن ساحتي التفاوض بينهما ليستا كذلك.
الدليل هو لغة إيران المتصاعدة حتى في الرد على الأوراق التفاوضية الأميركية، فبعد أن كانت أميركا تقدم شروط الاستسلام، وتأخذ إيران وقتاً طويلاً للرد على العروض الأميركية، توحي خلالها بوجود تباينات في الرأي، فسرها ترامب بوجود صراعات داخلية، وذلك لامتصاص ردة الفعل الأميركية على الرد الفوري، الذي كان لا يوافق ولا يرفض، ويعتمد صيغة «نعم ولكن»، أي يعيد العروض الأميركية مع اقتراح تعديلات على بنودها، انتقلت إيران بعد ذلك، إلى الرد على المقترحات بمقترحات
مضادة، والكل يذكر الورقة الأميركية ذات الأربعة عشر بنداً، والمقترح الإيراني المضاد ذا النقاط العشر.
الآن إيران تقول إن مذكرة التفاهم الأميركية غير مقبولة.
أكثر من ذلك فإن إيران ردت على إعلان ترامب الخاص بحرية الملاحة، بإطلاق آلية جديدة لتنظيم حرية الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، أدخلت تلك الآلية حيز التنفيذ فوراً، وأعلنت موقعاً إلكترونياً يتضمن اللوائح الخاصة بالمرور، التي على السفن أن تتبعها، بما يؤكد سيطرة إيران على المضيق، دون أي لبس، بل وحين حاولت القطع البحرية الأميركية الاقتراب من المضيق، أطلقت عليها إيران الصواريخ والمسيرات، بما أشعل حريقاً في منشأة نفطية في الفجيرة الإماراتية، وبينما قال الأميركيون إن عمليتهم نجحت في تحرير «سفينتين» من أصل ألفي سفينة عالقة، ورغم إطلاق إيران النار على تلك القوات، خرج وزير الحرب الأميركي المتنمر، للقول إن وقف إطلاق النار ما زال سارياً، وهكذا فإن النمر الأميركي الذي كان يرغي ويزبد قبل أكثر من شهرين، بات مثل «حمل» هذه الأيام.
وهذا ينطبق على ترامب نفسه، الذي يبدو أن لديه مشكلة حقيقية، ما بين الأقوال والأفعال، فهو حين يهدد، يتمخض جبله عن فأر، وحدث هذا حين هدد «غرينلاند» بالضم، وحين هدد غزة بالجحيم، وحين هدد الصين بفرض التعرفة الجمركية، لتحقق الصين فائضاً في ميزانها التجاري خلال العام الماضي بلغ 1،3 تريليون دولار، مقابل عجز أميركي بلغ 1،2 تريليون دولار، ثم الادعاء أنه يستحق جائزة نوبل للسلام، لأنه اطفأ عدة حروب، فإذا به يبدأ العام بالسطو على فنزويلا، ويختطف رئيسها الشرعي المنتخب، ثم يشن الحرب على إيران مرتين، منذ أن بدأ ولايته الحالية، وما زال يتحالف مع بنيامين نتنياهو في ملف غزة وفي ملف لبنان، فكيف يكون رجل سلام، وهو يسير جنبا إلى جنب «مجرم الحرب» المدان دولياً، والمطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية ؟!
كان بإمكان ترامب أن ينسحب من الحرب مع إيران، كما فعل العام الماضي، بعد أن قدم لنتنياهو وللوبي الصهيوني في أميركا، ما لم يفعله رئيس أميركي من قبل، وقد أعلن هذا صراحة قبل أيام الرئيس باراك أوباما، حين قال إن نتنياهو حاول إقناعه بشن الحرب على إيران بنفس الأسباب التي قدمها لترامب، لكنه رفض، وترامب نفسه قال إنه فعل ما كان على الرؤساء الأميركيين فعله منذ 47 سنة، لكنه في الحقيقة حاول أن يخرج بغنيمة ما، وفق قاعدة السطو المسلح، وكانت عينه أولاً على «اليورانيوم المخصب»، فترامب لا يرى المشكلة تكمن في احتمال امتلاك إيران للسلاح النووي، بل وجدها فرصة للحصول على هذه الثروة، وكان آخر ما طرحه الأميركيون قبل الحرب هو نقل اليورانيوم المخصب إلى روسيا، وليس لأميركا ولو بشرائه، ثم طمع ترامب في مضيق هرمز، فإيران انتبهت إلى أن المضيق يمكنه أن يعوضها ما خسرته في الحرب، بل يمكنه أن يجعل من العقوبات الأميركية المناهضة لصادراتها النفطية، مجرد بالونات هوائية فارغة، فظن ترامب، أنه يمكنه أن يحول الحرب من الوجهة الإيرانية، إلى المضيق فقط، وأنه في حال سيطر هو على المضيق، سيتحكم بالاقتصاد العالمي، وفي مقدمته الصيني، الناجم عن استيراد الصين للطاقة من الخليج.
هذا فضلاً عن الرسوم الجمركية التي يمكن تحصيلها، بدلاً من إيران، وهل كان يظن أحد ما، أنه لو نجحت أميركا فعلاً في إنهاء سيطرة إيران على هرمز، كانت ستخرج هي منه؟
يقيناً أن أميركا كانت ستتحجج بحماية المضيق من التهديد الإيراني، ومقابل ذلك تقوم بتحصيل «الأتاوات» أو الرسوم، وترامب نفسه طالب دول الخليج العربية، بتغطية نفقات الحرب على إيران، وهي تغطي نفقات قواعده العسكرية أصلاً، بحجة أنها موجودة لحمايتها، ولعل حجم الاستثمار الخليجي في أميركا خير دليل على هذا، فهل يمكن لهذا «الترامب» أن يتوقف عن نهمه وجشعه نحو المال وفي أي مكان وأي مجال ؟، لكن ما يقلل من خطورة ترامب، هو أنه يتشدق كثيراً، والحروب لا تجري على الورق، ولا على منصات التواصل الاجتماعي، لهذا فان نتيجة الحرب، وإن لم تكن قد انتهت بعد، إلا أنها أثبتت أن اقوال ترامب وكان آخرها، ما قاله قبل يومين، إنه حقق نجاحاً عسكرياً هائلاً، وكأنه يلقي خطاب النصر من حي في طهران، لا تتوافق مع أفعاله.