في اليوم العالمي لحرية الصحافة، الثالث من أيار، يطفو سؤالٌ مُحرِج على سطح الواقع: هل ما تزال حرية الصحافة قائمة فعلًا، أم أنها تحوّلت إلى شعارٍ يُرفع في المحافل ويُقوَّض في الميدان؟ وإلى أيّ مدى يمكن الحديث عن حرية إعلامية في ظل نظام دولي تُهيمن عليه مراكز القوة، وتُعاد فيه صياغة الحقائق وفق توازنات السياسة والنفوذ؟
كيف نحتفل بهذه المناسبة في زمنٍ تتزيّن فيه الديمقراطية بلباسٍ أنيق، بينما تُخفي في طيّاته ملامح استبدادٍ ناعم؟ وأيّ حريةٍ تلك التي تُحاصر داخل قفص الهيمنة السياسية والإعلامية، حيث تتقاطع مصالح الدول الكبرى مع المؤسسات الإعلامية العابرة للحدود، لتُعيد إنتاج الرواية الإعلامية بما يخدم مصالحها وسردياتها؟
الحديث عن حرية الصحافة اليوم لا يمكن فصله عن بنية النظام الدولي ذاته، حيث تُصبح القوانين والمواثيق الدولية مرجعًا انتقائيًا، يُفعّل في سياقات ويُجمَّد في أخرى. وهنا تتحوّل حرية التعبير من حقٍ إنساني إلى مساحةٍ خاضعة للتأويل السياسي، ما يضعف جوهرها الحقيقي.
حين نقترب من المشهد الفلسطيني، تتبدّى الصورة أكثر قسوة ووضوحًا. في الحرب على قطاع غزة، وفي الضفة الغربية، لم تعد الصحافة مجرد مهنة، بل تحوّلت إلى مواجهةٍ يومية مع الموت. صحفيون يُستهدفون أثناء أداء واجبهم، وعدسات تُكسَر لأنها تقترب أكثر مما ينبغي من الحقيقة. هنا، لا يصبح السؤال عن حرية الصحافة ترفًا فكريًا، بل مسألة وجود.
أين هي القوانين والاتفاقيات الدولية التي يفترض أن تحمي الصحفيين؟ وأين الضمير العالمي من الانتهاكات التي لا تُحصى، في ظل صمتٍ عربي وغربي يثير الريبة؟ إنّ الأرقام لم تعد تكفي لوصف حجم الخروقات، لأنّ الواقع تجاوز حدود الإحصاء إلى مستوى الفاجعة المستمرة، في ظل غياب آليات مساءلة رادعة تُنهي ثقافة الإفلات من العقاب.
إنّ الوقفات التضامنية على أبواب نقابات الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، رغم رمزيتها وأهميتها المعنوية، لم تعد كافية في ظلّ حجم الانتهاكات المتصاعد. فهي تعكس نبض التضامن، لكنها تبقى فعلًا محدود الأثر ما لم تُترجم إلى خطواتٍ عملية تضغط باتجاه محاسبة المعتدين، وتوفير حماية حقيقية للصحفيين في الميدان. فالقضية لم تعد بحاجة إلى لافتاتٍ وشعارات بقدر حاجتها إلى سياساتٍ واضحة، وإجراءاتٍ رادعة، ودعمٍ ملموس يضمن للصحفي أن يؤدي رسالته دون أن يكون هدفًا سهلًا للانتهاك أو الاستهداف.
لقد فقدت الصحافة، في هذا السياق، جزءًا من قدسيتها؛ لا لأنها تخلّت عن رسالتها، بل لأنّ آلة القمع والاستهداف سعت إلى كسر جناحيها، حتى لا تُحلّق في سماء الحقيقة. وبين مطرقة الاحتلال وسندان الانقسام الداخلي، يعيش الصحفي الفلسطيني حالة استنزافٍ مركّب، تُضعف قدرته على الصمود والاستمرار.
وداخليًا، لا يمكن إغفال أثر الانقسام السياسي بين غزة والضفة الغربية، وما يفرضه من تباينات في البيئة الإعلامية، الأمر الذي ينعكس على حرية العمل الصحفي، ويزيد من هشاشة الدعم المؤسسي والمهني المقدم للصحفيين.
وفي خضمّ هذا الواقع، يبرز سؤالٌ آخر لا يقلّ إلحاحًا: ماذا قدّمت السلطات والمؤسسات الإعلامية للصحفيين في زمن الحرب؟ الإجابة المؤلمة أنّ كثيرين تُركوا وحدهم، يواجهون الخطر بلا غطاءٍ كافٍ، لا ماديًا ولا معنويًا، في مختلف الوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة.
وانطلاقًا من الحاجة إلى تحويل المعاناة إلى فعلٍ بنّاء، تبرز فكرة "خيمة الصحافة الفلسطينية" كمبادرةٍ عملية تستحق التبنّي. تقوم الفكرة على إنشاء مساحاتٍ ميدانية في كل محافظة، تُخصَّص للصحفيين والإعلاميين والناشطين، وتُجهَّز بإمكاناتٍ أساسية: بيئة عمل هادئة، إنترنت قوي، مصادر طاقة بديلة كالشمسية، إضافة إلى خدماتٍ لوجستية بسيطة تُعينهم على الاستمرار.
ليست هذه الخيمة مجرد مكانٍ للعمل، بل مساحة دعمٍ وصمود، تعيد للصحفي بعضًا من قدرته على أداء رسالته في أحلك الظروف. وهي دعوة مفتوحة للقيادات والمؤسسات لتبنّي الفكرة، وتطويرها بما ينسجم مع احتياجات الميدان، حتى تنتقل من حيّز الطرح إلى واقعٍ ملموس.
في يوم حرية الصحافة، لا يكفي أن نرفع الشعارات؛ بل لا بدّ من إعادة مساءلة المفاهيم، والعمل على حماية من يحملون الحقيقة في وجوه العواصف. فالصحافة، في جوهرها، ليست مهنةً فحسب، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية، وبدون حريتها، يفقد العالم إحدى أهم أدواته في الدفاع عن العدالة والكرامة.