في مقاله المنشور في صحيفة هآرتس، يعيد الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي تناول قضية شراء إسرائيل قمحاً تقول الصحيفة إن روسيا قامت بنهبِه من أوكرانيا، لكنّه يستخدم الواقعة كمدخل لانتقاد أوسع لما يعتبره حالة من الاستعلاء السياسي والأخلاقي التي تحكم سلوك إسرائيل في تعاملها مع العالم.
ويفتتح ليفي، المعروف بمواقفه النقدية الحادة تجاه سياسات الحكومات الإسرائيلية والاحتلال، مقاله بسؤال لافت يقول فيه: كيف يمكن لإسرائيل أن تنحاز دائماً، بحسب تعبيره، إلى “الجانب الخاطئ من التاريخ والعدالة والإنسانية”؟
ويستحضر الكاتب ما يسميه “دهاء الدولة” في الذاكرة الإسرائيلية، مشيراً إلى حادثة الاستيلاء على خمس سفن من ميناء شيربورغ في فرنسا عام 1969، والتي تُعرف في الخطاب التاريخي بـ“سرقة خمس سفن الصواريخ”. ويقول إن تلك العملية جرى تمجيد منفذيها داخل إسرائيل باعتبارهم أبطالاً، من دون أن يُطرح سؤال أخلاقي حول ما إذا كان هذا السلوك ينسجم مع دولة يفترض أنها تحكمها القوانين.
وبحسب ليفي، فإن هذه الحوادث تتحول مع مرور الوقت إلى جزء من رواية وطنية لا تخضع للمساءلة، بل يتم دمجها في ما يشبه “الأسطورة القومية”، حيث تصبح فكرة السرقة أو الالتفاف على القوانين مقبولة طالما أنها تخدم المصلحة الإسرائيلية.
وينتقل الكاتب من هذه الخلفية التاريخية إلى الربط بينها وبين قضية القمح المنهوب، معتبراً أن هناك منطقاً إسرائيلياً متكرراً يقوم على أن “كل شيء مباح” عندما يتعلق الأمر بالمصلحة الوطنية. وفي هذا السياق، يلفت إلى رد وزير الخارجية جدعون ساعر، الذي لم يناقش أصل الاتهام، بل حمّل أوكرانيا مسؤولية عدم تقديم اعتراضها في الوقت المناسب.
ويرى ليفي في هذا الرد نموذجاً لأسلوب متكرر، يقوم على تحويل النقاش من جوهر القضية إلى تفاصيل إجرائية، ثم التمهيد، وفق وصفه، لتوجيه اتهامات مضادة مثل معاداة السامية، في حال تصاعد الانتقاد من أطراف دولية أو أوروبية.
ويضيف الكاتب أن هذا النمط من الردود يُستخدم أيضاً في سياقات أخرى، خصوصاً عند الانتقادات الموجهة لإسرائيل بسبب الحرب على غزة، حيث يتم توظيف تهمة معاداة السامية، بحسب رأيه، لإرباك المنتقدين وتقليص مساحة الاعتراض.
وفي مستوى أعمق من التحليل، يربط ليفي هذا السلوك بفكرة التفوق اليهودي كما يصفها، مشيراً إلى أن إسرائيل، بحسب تعبيره، تبعث برسالة إلى العالم مفادها: “نحن الغابة في فيلتكم”، في إشارة ساخرة إلى المقولة الإسرائيلية الشهيرة التي تصف إسرائيل بأنها “فيلا في الغابة”.
ولا يقتصر الكاتب في نقده على هذه الحادثة أو غيرها، بل يوسع الإطار ليشمل ما يعتبره سجلاً ممتداً من السياسات، بما في ذلك تزويد أنظمة مختلفة في العالم بالأسلحة، وعدم الانضمام إلى عدد من الاتفاقيات الدولية، مثل نظام روما الأساسي، واتفاقية حظر الألغام، ومعاهدة تجارة السلاح.
وفي ختام مقاله، يتساءل ليفي بسخرية عن علاقة مفهوم “الشعب المختار” بالمعايير والمعاهدات الدولية، في إشارة إلى ما يراه تناقضاً بين الخطاب الديني أو القومي وبين الالتزامات القانونية الدولية.
وبذلك، لا يتعامل الكاتب مع قضية القمح بوصفها واقعة منفصلة، بل يعتبرها جزءاً من بنية أوسع، تقوم على تصور إسرائيل لنفسها ككيان فوق المساءلة، وفق تحليله، حيث يتم شراء موارد مثيرة للجدل، ورفض القيود الدولية، واستخدام تهمة معاداة السامية في مواجهة النقد، مع إعادة إنتاج خطاب يفيد بأن “العالم كله ضد إسرائيل”.