جرت الانتخابات المحلية في موعدها المحدد في الخامس والعشرين من هذا الشهر. ويمكن القول إنها تمت بسلاسة دون حوادث تذكر بالرغم من تحفظات الكثيرين على التوافقات والفوز بالتزكية.
فهذا لا يناقض القانون حتى لو كان يحد من الممارسة الديمقراطية في الاقتراع والتصويت للقوائم.
ففي الكثير من الأماكن كانت القوائم المرشحة قليلة ما ساهم في الوصول إلى توافقات وألغت المنافسة وفرضت أحياناً تراجعات على آخرين لا حظوظ قوية لهم.
في كل الأحوال هذه كانت عملية انتخابية ناجحة ويمكن البناء عليها لجزء من الانتخابات العامة التي يمكن أن تحصل قبل نهاية العام.
من الواضح أن نسبة الاقتراع في القرى والبلدات كانت أعلى منها في المدن بسبب التركيبة والطابع العائلي والعشائري فيها وحدة التنافس.
ولكن يمكن القول إن ما ميز الحملات الانتخابية أنها جمعت بين الجانبين الخدمي والوطني.
صحيح أن الانتخابات هي لهيئات محلية تعنى فقط بشؤون الخدمات المقدمة للجمهور، ولكن حرص المرشحون على إبراز الالتزام الوطني العام تجاه القضية والشعب.
وفي نهاية المطاف ما يحكم على نجاح أو فشل أي هيئة هو قدرتها على تحقيق ما وعدت به من خدمات ومشاريع لصالح المجتمع الذي انتخبها أكثر من الحديث حول مواقف وشعارات سياسية.
مشاركة دير البلح في قطاع غزة في الانتخابات مهمة من الناحية الرمزية، فلأول مرة تُجرى انتخابات منذ عام 2005 الذي شهد آخر انتخابات محلية في القطاع.
وكانت حركة «حماس» تمنع إجراء هذه الانتخابات منذ انقلابها على السلطة الوطنية. وهذا يمثل تعبيراً عن تغيير في الواقع السياسي ولكنه لا يعدو كونه ثانوياً بالمقارنة مع ما هو مطلوب.
فوحدة الوطن في إجراء الانتخابات المحلية ولو بشكل جزئي في غزة تحت إدارة وإشراف هيئة واحدة هي لجنة الانتخابات المركزية وتحت مسؤولية الحكومة الفلسطينية في رام الله، لا يمثل وحدة سياسية ووطنية شاملة.
فلا يزال قطاع غزة يخضع لسلطة «حماس» بينما الضفة الغربية تحت مسؤولية السلطة الوطنية.
ولا يزال الشوط طويلاً لتحقيق وحدة سياسية وطنية تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة ككيان سياسي موحد تحت سلطة واحدة.
التوق الشعبي لإجراء انتخابات وممارسة الديمقراطية عبر الحق في الاقتراع لا يزال مشوباً بالكثير من الشكوك حول إمكانية إنجاز الوحدة الوطنية بعد ما يقرب من عقدين على الانقسام، الذي جزأ الوطن وقسم السلطة السياسية وأضعف الشعب ومنع تقدمه في الوصول إلى حقوقه المشروعة في تقرير المصير والدولة المستقلة وقاد إلى الكارثة الكبرى التي ألمت بالشعب الفلسطيني في حرب غزة وانعكاساتها على مجمل الأوضاع الفلسطينية.
فالفشل الفلسطيني وخاصة فشل القوى الرئيسة في الوصول إلى وحدة جامعة خلال كل هذه الفترة وحتى بعد حرب الإبادة لا يبعث على الأمل بأي إنجاز سياسي سواء جرت انتخابات محلية أو لم تحصل.
حتى الحديث عن انتخابات قادمة للمجلس الوطني يبدو كنوع من تبرير العتب وخاصة أمام المجتمع الدولي الذي يطالب بإصلاحات جوهرية في السلطة الفلسطينية، فلا معنى لانتخابات وسط انقسام ولا ضمان للالتزام بنتائجها طالما هناك سلطتان وجهازان أمنيان ومؤسستان.
فكرة الوحدة الوطنية دون مقدمات حقيقية على الأرض تبدو كحلم صعب المنال. فالشرط الأول لتحقيقها الآن هو التواصل لاتفاق وطني حول إدارة غزة.
وبما أن الجميع وافق بشكل أو بآخر على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تحولت لخطة دولية وبقرار من مجلس الأمن، فالمطلوب هو العمل على إنجاحها وتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من القيام بدورها في الإغاثة والتعافي وإعادة البناء.
وهذا لن يحصل في ظل سيطرة «حماس» على قطاع غزة.
قد يبدو منطقياً ما تقوله «حماس» وفصائل أخرى بأن المشكلة هي عدم التزام إسرائيل بتطبيق كامل لما تم الاتفاق عليه وخاصة عدم إدخال الكميات المطلوبة من المساعدات الإنسانية وعدم وقف إطلاق النار بالكامل وعدم الاستعداد للانسحاب وهذا صحيح، ولكن السؤال هو كيف نساعد العالم وخاصة الولايات المتحدة في الضغط على إسرائيل؟
هل نستمر بالتذرع بعدم التزامها مع العلم أن هذا يخدم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وحكومته العنصرية الدموية؟.
في حقيقة الأمر يبدو مريحاً لكل من «حماس» وإسرائيل أن تحمل إحداهما الأخرى المسؤولية عن عدم تطبيق الاتفاق. «حماس» بالقول بعدم التزام إسرائيل. وإسرائيل من جانبها بعدم التزام «حماس» بنزع سلاحها.
والمنطق يقول إن الشعب الفلسطيني هو المتضرر الوحيد من استمرار الوضع القائم. فلا سلاح «حماس» يشكل تهديداً حقيقياً لإسرائيل، ولا إسرائيل معنية بالانسحاب طالما هناك مبرر جيد ومقبول دولياً.
إذاً ما المطلوب لكي نكسر هذه الحلقة بوعي ومسؤولية وطنية؟
المطلوب هو إبداء «حماس» موقفاً بناء كإعلان القبول بنزع سلاحها بالكامل ضمن جدول زمني محدد تلتزم فيه إسرائيل بما عليها وفي مقدمة ذلك وقف العدوان والانسحاب والسماح بإعادة بناء غزة، وفي إطار دخول قوة شرطية فلسطينية وقوات الاستقرار الدولية لتولي مهمات الأمن بشكل تدريجي مكان «حماس» وإسرائيل. عندها يمكن تحقيق الشروط الضرورية لانتخابات عامة حقيقية والحصول على الوحدة الوطنية الكاملة والتقدم على طريق التسوية السياسية.