السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية: من الاحتلال إلى السيادة الفعلية الصامتة
نشر بتاريخ: 2026/04/29 (آخر تحديث: 2026/04/29 الساعة: 16:11)

لم تعد الضفة الغربية ساحة لواقع احتلالٍ قابلٍ للإدارة، بل تحوّلت إلى مختبرٍ لسياسة إسرائيلية قديمة بثوب أكثر صلافة؛ سياسة تبنى بهدوء، وتنفذ بتدرّج، لكنها تستهدف في جوهرها إنهاء الصراع من طرف واحد، لا عبر حلّه، بل عبر شطبه سياسياً.

ما تكشفه دراسة أودي ديكل وتامي كينر المنشورة في “معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي” تحت عنوان: “تحوّل في التصور تجاه الضفة الغربية، يقوم على الأمن المطلق، والحسم، وفرض السيادة”، لا يكمن الخطر فيه في حجم التغييرات المتراكمة فحسب، بل في طبيعتها البنيوية؛ إذ انتقل الاحتلال من منطق (الإدارة المؤقتة) إلى (تثبيت السيادة الدائمة) بلا ضجيج قانوني، بل عبر وقائع قهرية تُفرض على الأرض.

وتشير الدراسة إلى أن فكرة “الأمن المطلق” التي تعززت بعد السابع من أكتوبر صارت تؤدي وظيفة سياسية مركزية، إذ تفترض أن كل تهديد يستدعي رداً عسكرياً ، وأن إسرائيل يجب أن تحافظ على حرية العمل العملياتي والسيطرة الكاملة على الأرض الفلسطينية. في المقابل، تتعامل الحكومة الإسرائيلية مع أي تسوية سياسية باعتبارها خطراً استراتيجياً. ورغم أن الوضع القانوني الرسمي لم يتغيّر شكلياً، إلا أن الحكومة تعمل على فرض سيادة فعلية تغيّر بنية السيطرة وطبيعتها من الداخل، من دون الحاجة لإعلان قانوني صريح يصطدم بالمجتمع الدولي.

مع صعود دور بتسلئيل سموتريتش داخل وزارة الدفاع وسيطرته المتزايدة على الإدارة المدنية، تبدأ استراتيجية الحسم من تأميم الحيز الجغرافي؛ فالأرض لم تعد مساحة للتفاوض، بل مادة يُعاد صهرها قانونياً وإدارياً لقطع الطريق أمام أي كينونة فلسطينية مستقبلاً. فتح سوق الأراضي، استئناف تسوية الملكيات، وتحويل الدولة إلى لاعب مباشر في الشراء، كلها ليست إجراءات تقنية، بل أدوات لتثبيت ملكية نهائية تغيّر جوهر الصراع الجيوسياسي.

ثم يأتي الاستيطان، لا بوصفه توسعاً تدريجياً، بل كأداة لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وتفكيكها في آنٍ واحد. هو يُغرس داخل النسيج الفلسطيني نفسه، لينتج خريطة بديلة: أرضٌ مجزأة، حركةٌ مقيدة، واعتماد يومي على منظومة السيطرة الإسرائيلية. وبهذا، لا تُستهدف فكرة الدولة الفلسطينية سياسياً فقط، بل يُجري تفريغها من مضمونها الجغرافي والعملي قبل أن تولد.

وفي المقابل، يجري تفكيك الركيزة السياسية الفلسطينية بشكل منهجي. فالسلطة الفلسطينية لا تُضعف عرضاً، بل تُستنزف مالياً وإدارياً، بما يعني أن الخطر لا يكمن فقط في غياب الدولة، بل في إفراغ الساحة من أي إطار قادر على تمثيل مشروع وطني جامع، وشطب الجهة التي تحمل هذا المشروع أصلاً.

وفي قلب هذا المشهد، يتجاوز “عنف المستوطنتين” كونه ظاهرة هامشية ليصبح نمط عمل ممنهج يحظى بحماية مؤسسات الدولة. هذا العنف، مع غياب الردع، يتحول إلى جزء بنيوي من بيئة السيطرة لإنتاج واقع ضاغط يعيد تشكيل التوزيع الديمغرافي قسراً.

كل ذلك يقدم تحت غطاء “الأمن”. لكن المفارقة أن هذه السياسات لا تُنتج أمناً مستقراً، بل تزيد من نقاط الاحتكاك وتُثقل كاهل المنظومة الأمنية، مما يكشف أن “الأمن” هنا ليس هدفاً نهائياً بقدر ما هو ذريعة لتمرير مشروع الحسم.

في هذا السياق، يبرز التحول الأخطر: تحويل الفلسطيني من "شعب" يملك حقاً سياسياً إلى مجرد "سكان" داخل منظومة إدارة. تُقيد حركته، وتُحاصر خياراته ضمن حيّز بلا أفق. ومع تآكل الإطار التعاقدي القديم وفقدان التصنيفات (A, B, C) لمعناها، يتشكل واقع دائم يُفرض بالقوة، يمتد نموذجه من الضفة وصولاً إلى غزة، حيث تُستخدم أدوات أكثر حدّة للفكرة نفسها: إعادة تشكيل الصراع حتى يفقد معناه السياسي.

إن ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد تغيير في السياسات، بل هو إعادة صياغة للقضية الفلسطينية من أساسها. غير أن هذا “الحسم” الذي يُبنى بصمت لا يُنهي الصراع، بل يؤجله على نحوٍ أكثر انفجاراً، فالوقائع التي تفرض بالقوة لا تنتج شرعية، والسيطرة التي تلغي السياسة تفتح الأبواب مشرعة أمام صراع وجودي أشد قسوة، وأقل قابلية للاحتواء.