المنتصرون لم ينتصروا !
نشر بتاريخ: 2026/04/14 (آخر تحديث: 2026/04/14 الساعة: 21:41)

بعد أربعين يوماً من الحرب الطاحنة توقف المحاربون عن القتال معلنين انتصارهم، وذهبوا إلى إسلام أباد كي يحصدوا الثمار السياسية لانتصارهم في صيغة اتفاق، لكنهم وبعد 21 ساعة تفاوض عادوا أدراجهم إلى واشنطن وطهران وهم خالو الوفاض. يبدو أن هذا هو حال الحرب التي يقودها رجل عقارات وشرطي العالم الذي يرغب بجني أقصى الأرباح في أقصى سرعة من جهة، وعقلية رجل الدين المقيد بأيديولوجيا خلاصية لا تنهزم في الجهة الأخرى.

ولما كانت الضربات والخسائر الضخمة التي ألحقتها قوات تحالف ترامب ونتنياهو بإيران غير كافية لقبولها بالشروط الأميركية الإسرائيلية. ولما كانت ايران التي صمد نظامها أمام الهجمات واستعادت سيطرتها على الداخل الإيراني ونجح تكتيكها بإقفال مضيق هرمز، وفي توجيه ضربات لمصادر الطاقة في بلدان الخليج العربي، ما ساهم في اضطراب الاقتصاد العالمي والتسبب في أزمة اقتصادية طالت معظم شعوب ودول العالم. لكنها لم تستطع فرض شروطها على طاولة المفاوضات، سيما وأنها تترنح في أزمة اقتصادية وأمنية حادة جراء حرب التدمير التي تعرضت لها. بعد إخفاق التفاوض في يومه الأول عاد كل طرف الى ترتيب عناصر قوته. فقد أعلنت قيادة الجيش الأميركي انها ستفرض حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية مع احتمال فتح مضيق هرمز بالقوة أمام الملاحة وإعادته الى سابق عهده، في الوقت الذي يدرس فيه ترامب إمكانية توجيه ضربات نوعية ضد مراكز الطاقة. وكان قد هدد قبل هدنة الأسبوعين بإبادة الحضارة الإيرانية التي تعود الى 7 آلاف عام. مقابل ذلك هددت القيادة الإيرانية بالرد على كل محاولة لاجتياز مضيق هرمز بالقوة باعتباره منطقة سيادة إيرانية، ومن خلال استهداف مراكز الطاقة في المنطقة.

أثناء الحرب وفي مفاوضات إسلام أباد لوحظ الغياب العربي الرسمي برغم إقحام ثماني دول عربية في الحرب، وبرغم وقوع خسائر بشرية ومادية مؤلمة وفادحة كما في لبنان وخسائر اقتصادية في دول الخليج. إضافة للثمن الباهظ الذي تدفعه الشعوب العربية جراء ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو وارتفاع التضخم وزيادة البطالة بمستويات غير مسبوقة. ولوحظ غياب القضية الفلسطينية من أجندات قطبي الحرب، وقد تجمدت المبادرة الفرنسية السعودية وتجمدت خطة ترامب أيضاً. وأصبحت القضية الفلسطينية على هامش الاهتمام الدولي والعربي والإقليمي. هذا الجمود والغياب سهّل على دولة الاحتلال من تصعيد عدوانها على قطاع غزة ومن استباحتها للضفة الغربية عبر عمليات تطهير عرقي ونهب الأراضي واعتداءات المستوطنين ومواصلة سياسة الضم الزاحف لمساحات متزايدة من الأراضي الفلسطينية، وتعزيز احتلالها لحوالي 60% من قطاع غزة. إن غياب أي مبادرات عربية لوقف الحرب وغياب أي مشاركة في معالجة أسبابها يجعل الدول والقوى السياسية والشعوب العربية في انتظار الحلول من الخارج، مع أن المنطقة العربية جزء من هذا الصراع الذي أفضى الى الحرب ومتداخلة مع أطرافه، ومن المفترض أن تكون جزءاً من الحلول. اكتفت الأكثرية العربية شعوباً ونُخباً بدور المراقب والمشجع الذي يهمه خسارة إسرائيل المتعجرفة التي شنت حرب إبادة وتطهير عرقي في القطاع والضفة، وتعاملت باستخفاف ودونية مع الدول العربية التي أبرمت معها اتفاقات، على قاعدة حل كل القضايا والمشاكل التي تواجهها إسرائيل بالقوة وبالمزيد من القوة، وفرحت الأكثرية العربية أيضاً بخسارة أميركا الترامبية لجهة عدم تحقيق أهدافها بسرعة ودخولها في مأزق داخلي وخارجي.

منطقيٌ أن يناهض الرأي العام الأميركي والغربي والعالمي الحرب ويدعو الى وقفها، ويدين ترامب ونتنياهو اللذين أشعلا هذه الحرب بصيغة سطو ونهب وتدمير خارج القانون والنظام الدوليين، ويدين في الوقت نفسه كل الانتهاكات التي يرتكبها النظام الإيراني كضرب أهداف مدنية وبخاصة في بلدان عربية، وتدمير منشآت الطاقة فيها وزج لبنان في حرب قادت الى تدمير القرى الجنوبية والبقاعية وأجزاء من بيروت، وتهجير وتشريد سكانها -مليون ونصف المليون -وتهديد وحدة لبنان وسلمه الأهلي. من غير المفهوم دعم الحرب والاصطفاف مع النظام الإيراني بدون قيد أو شرط، والتعامل معه كمنقذ يستطيع إلحاق الهزيمة بالعدو التاريخي للشعوب العربية. من غير المنطقي تغليب العاطفة والرغبة على العقل، انطلاقاً من قدرة النظام الإيراني على تحمل الخسائر الضخمة، ونجاحه في إلحاق خسائر اقتصادية بجبهة ترامب، واعتبار ذلك نصراً يمكن التعويل والبناء عليه. البعض قارن قرار إيران بإغلاق مضيق هرمز بـتأميم عبد الناصر لقناة السويس عام 1956 وما أعقبها من عدوان ثلاثي أدى الى هزيمة مصر عسكرياً لكن هذه الهزيمة تحولت الى نصر سياسي. التعويل هنا على انتصار إيران سياسياً ينتمي الى الرغبة المشروعة بفشل أميركي إسرائيلي في هذه الحرب وقطعاً في كل الحروب السابقة واللاحقة، وهنا لا يوجد خلاف. النموذج المصري يختلف كثيراً عن النموذج الإيراني من زاوية انتماء مصر الناصرية لمعسكر اشتراكية وتحرر ومنظومة عدم انحياز حينذاك، وفي زمن أفول الإمبريالية البريطانية وحلول الأميركية مكانها. مقابل انتماء إيران لعلاقات براغماتية مع روسيا والصين وكوريا الشمالية لا ترقى الى تحالف، ليس هذا وحسب، بل إن عدم انضمام أي دولة من العوالم الثلاثة لمشاركة او حتى مؤازرة ايران في معركتها مع أميركا وإسرائيل، دليل على عزلة النظام الإيراني الثيوقراطي. كونه يسعى إلى بناء دولة دينية حصرية ومنغلقة على فلسفة الولي الفقيه. من جهة ثانية، فإن فشل ترامب في زج الناتو في عملية فتح مضيق هرمز بالقوة، لا يعني الموافقة على «حق» إيران في فرض السيادة عليه. ما يؤكد على ذلك اتفاق اكثر من 40 دولة على مسعى فتح المضيق سلمياً وإعادته الى وضعه السابق بدون سيطرة إيرانية.

أثناء الحرب يصبح من الطبيعي طرح المطالب والأهداف وتصويب الأخطاء في العلاقة مع أطراف الحرب وتحديداً في علاقة الدول والشعوب العربية مع إيران. وفي علاقة الدول العربية مع أميركا وإسرائيل. وهنا من الطبيعي ان تطرح جدوى القواعد العسكرية في دول الخليج العربي ومستوى قدرتها على الحماية، ومن الطبيعي ان تطرح أيضا جدوى الاتفاقات الإبراهيمية ووظيفتها بعد اختبارها في الحرب. وما يهم أيضاً طرح قضية التدخل الإيراني في أربع دول عربية وانتزاع إيران لقرار الحرب والسلم فيها. واستخدام القضية الفلسطينية كورقة في خدمة مد النفوذ الإيراني ورفض الحل السياسي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ودعم وتعميق الانقسام الفلسطيني.

في العلاقة العربية الإيرانية بدأت المخاوف بعد إطلاق مرشد الثورة الإسلامية مبدأ تصدير ونشر الثورة الإسلامية وأسلمة المقاومة، ذلك المبدأ الذي يخفي أطماع إيران ورغبتها في التوسع. وتعززت المخاوف العربية بعد تأكيد الثورة الإسلامية ضم الجزر العربية الثلاث من قبل النظام الملكي البائد، ورفض الثورة الصاعدة إعادتها لأصحابها. لا يتفق ولا ينسجم موقف المؤيدين والمتحمسين لدعم إيران في حربها ضد إسرائيل وأميركا بدون مطالبتها بالتراجع وتصويب العلاقة، على قاعدة الاحترام والمصالح المتبادلة.