الأورومتوسطي: العنف الجنسي ضد الأسرى "سياسة دولة" ممنهجة
نشر بتاريخ: 2026/04/12 (آخر تحديث: 2026/04/12 الساعة: 17:24)

متابعات: خلص تقرير نشره المرصد "الأورومتوسطي" لحقوق الإنسان، إلى أن العنف الجنسي ضد الفلسطينيين في السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية "سياسة دولة فعليّة". مؤكدًت أنه "يُستخدم كأداة للإخضاع والتدمير، بما شمل تصعيدًا جذريًّا وإسقاطًا لكافة الكوابح السابقة" منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

ووثق التقرير الذي جاء بعنوان "إبادة جماعية أخرى خلف الجدران"، واطلعت عليه "وكالة سند للأنباء"، اليوم الأحد، أنماطًا واسعة النطاق من العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب.

ولفت النظر إلى أن تلك الأنماط "استخدمت ضد معتقلي قطاع غزة بوصفها أداة تدمير تستهدف كسر الإرادة الفردية والجماعية وإحداث ضرر جسدي ونفسي بالغ.

وشملت الأنماط، وفق رصد المركز الحقوقي، الاعتداء الجنسي المباشر والاعتداء بالأدوات والتعذيب الموجه للأعضاء التناسلية، إلى جانب مظاهر استعراضية منظمة مثل التصوير والحضور الجماعي لعناصر القوة أثناء ارتكاب الاعتداء، بما يعزز قرائن الطابع المؤسسي والمنهجي لهذه الجرائم.

وقال إن هذه الانتهاكات تتداخل مع سياسات احتجاز تفضي إلى أذى جسدي ونفسي جسيم وطويل الأمد، بما في ذلك إصابات تخلف عجزًا دائمًا وتداعيات تمس الوظائف الإنجابية لدى بعض الضحايا.

واستند التقرير بشكل أساسي إلى شهادات حية ومباشرة أدلى بها معتقلون فلسطينيون من قطاع غزة أفرجت عنهم قوات الاحتلال خلال الأشهر والأسابيع الماضية، أفادوا خلالها بتعرضهم لأشكال مختلفة من العنف الجنسي على نحو ممنهج.

من جانبه، أشار خالد أحمد؛ الباحث في "الأورومتوسطي"، إلى أن الوصول لحالات العنف الجنسي وتوثيق الشهادات في هذا الإطار كانت مهمّة "شبه مستحيلة".

وأضاف "أحمد": "كنا نعلم أن هناك عشرات الحالات من الاغتصاب والاعتداء الجنسي، ولكن في مجتمع محافظ، من الصعب جدًا أن يخرج أحد ويقول إنه تعرض للاغتصاب".

وأردف: "رغم الصعوبات، تمكننا من الوصول إلى بعض الحالات، لكن معظمها كانت من الذكور؛ لأن سياق الاعتداء الجنسي على المرأة في المجتمع الفلسطيني له وقع أكبر وأكثر تعقيدًا، بالتالي من الصعب جدًا أن تقول المرأة إنها تعرضت للاعتداء".

وأكد الباحث الحقوقي، وجود عشرات الحالات الأخرى التي لم يتمكن فريق المرصد الأورومتوسطي من الوصول إليها أو الحصول على موافقتها بإجراء مقابلات وتوثيق إفاداتها.

وتابع: "نحن نعلم أن أعداد الأشخاص الذين تعرضوا للاعتداءات الجنسية أكبر من المتوقع، وأن هناك عشرات الحالات الأخرى لذكور وإناث تعرضوا للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي وفضّلوا البقاء صامتين".

وبحسب التقرير، تعمد منظومة التعذيب الإسرائيلية إلى توسيع دائرة الأذى عبر استراتيجية "الحرب النفسية"، التي تقوم على استغلال المكانة العالية لقيم "الكرامة" و"الخصوصية" في الوعي الجمعي الفلسطيني، وتحويلها من قيم حامية إلى أدوات ضغط على المعتقلين.

وبدلاً من أن يكون المجتمع مساحة للأمان، حرص السجانون الإسرائيليون على زرع قناعة لدى الضحية بأن "الإفصاح" عن الانتهاكات الجنسية سيشكل انتهاكًا ثانيًا لخصوصيتهم وسمعة عائلاتهم.

ورأى الباحث الحقوقي أن ذلك "فرض طوقًا من العزلة الشعورية يمنع الضحايا من ممارسة حقهم في الشكوى أو طلب المساعدة، خوفًا من المساس بكرامتهم الشخصية والأسرية التي استهدفها التعذيب أصلاً".

وفي إحدى الشهادات التي وثقها فريق المرصد الأورومتوسطي الميداني، قال "وجدي" (43 عامًا) الذي أمضى عامًا كاملًا داخل الاعتقال، إنه تعرض للاغتصاب المباشر والمتكرر من جنود وكلب خلال التحقيق معه.

وبيّن: "خلال التحقيق، قيدوني عاريًا على سرير حديدي، وسألني أحد الجنود كم إسرائيلية اغتصبت داخل إسرائيل؟ فنفيت أنني دخلتها. بعدها قام جندي باغتصابي، شعرت بألم شديد، وكنت أصرخ، وكلما أصرخ أتعرض للضرب. استمر ذلك عدة دقائق، وكان الجنود يصورون ويسخرون مني".

وبحسب الشهادات التي وثقها الأورومتوسطي، فقد تعرّض الرجال والفتيان لأنماط بالغة القسوة من التنكيل الجنسي استهدفت تحطيم كرامتهم وسلامتهم الجسدية، شملت الاغتصاب باستخدام أدوات صلبة، مثل القضبان المعدنية والعصي الخشبية وفوهات مطافئ الحريق، ما تسبب في تمزقات شرجية ومعوية حادة وخطيرة.

وفضلاً عن إخضاع المعتقلين للصعق الكهربائي واعتداء مباشر على الخصيتين بالأيدي أو بالأحذية العسكرية، ما أسفر في حالات موثقة عن إصابات جسدية دائمة، بما في ذلك فقدان دائم للوظائف التناسلية أو الإخراجية، أو الاستئصال للخصيتين، وانتهى في بعض الحالات بالوفاة تحت التعذيب.

وتُظهر الشهادات الموثّقة أنّ استهداف الأعضاء التناسلية للمعتقلين شكّل جزءًا من سياسة منهجية للعنف الجنسي والتعذيب تهدف إلى الإذلال المتعمّد وإلحاق أذى جسدي ونفسي دائم، وتقويض القدرة الإنجابية لديهم.

وقد أفادت شهادات متطابقة بأن جنود الاحتلال أجبروا المعتقلين على التعرية وفتح أرجلهم، ثم اعتدوا على أعضائهم التناسلية باستخدام أدوات صلبة كالعصي المعدنية وأعقاب البنادق وأجهزة يدوية، إضافة إلى اللكم والركل المباشر للخصيتين.

كما تكررت الإفادات حول قيام الجنود بعصر الخصيتين بقوة مفرطة خلال التحقيق، واستخدام مشابك وأوزان تُثبّت على الأعضاء التناسلية وتُترك لفترات طويلة، فضلاً عن الصعق بالكهرباء مباشرة في هذه المناطق.

وقد أسفرت هذه الممارسات عن نتائج طبية كارثية في حالات موثقة، شملت نزيفًا حادًا، وتبولًا دمويًا، وآلامًا مزمنة تعيق الحركة والجلوس، وفي بعض الحالات أدّت إلى تهتك شديد استوجب الاستئصال الجراحي لإحدى الخصيتين أو إلى فقدان الوعي والدخول في مضاعفات خطيرة.

وغالبًا ما ترافق هذا العنف الموجّه مع ممارسات إذلال جنسي أخرى، أبرزها التعرية القسرية الكاملة أثناء التفتيش أو التحقيق، والتحرش اللفظي والجسدي المصحوب بشتائم وإهانات ذات طابع جنسي، بما يعمّق شعور الضحية بالعجز والمهانة.

أما النساء والفتيات الفلسطينيات من قطاع غزة، فقد اتخذ العنف الجنسي ضدّهن منذ 7 أكتوبر 2023 منحىً منهجيًا ومؤسسيًّا؛ ويشمل التعرية القسرية العلنية، والتحرش الجسدي، والتهديد بالاغتصاب كأداة للضغط النفسي وانتزاع الاعترافات، وصولاً إلى وقوع حالات اغتصاب فعلي ومتكرر تحت تهديد السلاح.

وبيّن التقرير أن منظومة "العدالة الإسرائيلية" لم تنشئ مسارًا فعليًا للمحاسبة أصلًا؛ بل جرى توظيفها تاريخيًا، بصورة منهجية، لترسيخ الإفلات من العقاب عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، بما جعل الجهاز القضائي عمليًا خطّ الدفاع الأول عن الانتهاكات الإسرائيلية ومرتكبيه.

وأكد المرصد الأورومتوسطي أنه لا يمكن فصل جرائم التعذيب والعنف الجنسي المنهجية المرتكبة بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين عن الغطاء القانوني والمؤسسي الذي توفره منظومة العدالة الإسرائيلية.

وأضاف أن تعاطي المنظومة الإسرائيلية مع واقعة الاغتصاب الجماعي من قبل جنود في الجيش لمعتقل فلسطيني من قطاع غزة في معسكر "سدي تيمان" يمثل دليلًا راهنًا على ما يمكن وصفه بـ "الحصانة الهيكلية" لمرتكبي الجرائم ضد الفلسطينيين.

وكان المرصد الأورومتوسطي، قد وثق في تقرير سابق نشره في مايو/ أيار 2024 نحو 100 شهادة جمعها من معتقلين فلسطينيين مفرج عنهم، كشف فيها عن ما لا يقل عن 40 نمطًا من أساليب التعذيب التي مورست ضد المعتقلين، شملت الضرب المبرح والمتواصل، وأوضاع الشبح القسرية، والحرمان من النوم والطعام والمياه، والتعريض لظروف احتجاز مهينة وغير إنسانية، إلى جانب التهديدات المستمرة والإهانات اللفظية والنفسية.

ووجه المرصد الحقوقي، دعوة عاجلة لمكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية لإدراج جريمة الإبادة الجماعية صراحة ضمن نطاق التحقيق الجاري في الوضع في فلسطين، بوصفها الإطار القانوني الأصيل الحاكم للسياق القائم في قطاع غزة، وفتح مسار تحقيق معجل ومخصص يركز على توافر القصد الخاص لتدمير الفلسطينيين في القطاع كليًّا أو جزئيًا.

وطالب، مكتب المدعي العام بإعطاء ملفّ التعذيب والعنف الجنسي في مراكز الاعتقال والسجون أولوية تشغيلية، بما يشمل تفعيل الورقة السياساتية بشأن الجرائم الجنسية والجندرية لعام 2014، والتعامل مع الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي بوصفها جرائم قائمة بذاتها.

وأكد ضرورة التعامل مع تلك الجرائم بوصفها قرائن جوهرية لإثبات القصد الجنائي في الجرائم الأوسع، طالما دلّ السياق والنمط على توظيفها لتدمير الجماعة الفلسطينية وإلحاق أذى بدني أو نفسي جسيم بها.

وأظهرت معطيات حديثة ارتفاع عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي إلى أكثر من 9500 أسير ومعتقل حتى بداية شهر مارس/آذار 2026.

وبحسب بيانات صادرة عن مؤسسات شؤون الأسرى، استناداً إلى ما أعلنته إدارة سجون الاحتلال، فقد شهد شهر مارس ارتفاعاً في أعداد الأسرى بنسبة بلغت نحو 2.15%.

وأوضحت المعطيات أن من بين الأسرى 73 أسيرة فلسطينية، في حين يبلغ عدد الأطفال المعتقلين نحو 350 طفلاً يقبعون بشكل أساسي في سجني مجدو وعوفر.