حرب بلا حسم: كيف تحاول إسرائيل تحويل النتائج إلى رواية انتصار؟
نشر بتاريخ: 2026/04/10 (آخر تحديث: 2026/04/10 الساعة: 17:35)

بعد دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لم تنتهِ الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران فعلياً، بل انتقلت إلى ساحة أخرى لا تقل أهمية: ساحة السردية. فبينما لم تتضح بعد كل معالم التفاهمات السياسية، بدأت في إسرائيل معركة من نوع مختلف، معركة تفسير ما جرى، وتحديد ما إذا كانت الحرب قد انتهت بانتصار أم بفشل.

 

في هذا السياق، يبرز تحليل عاموس هرئيل في هآرتس بوصفه نموذجاً لخطاب نقدي داخلي، يمكن تلخيص فكرته الأساسية ببساطة: الحرب لم تُدار كما قُدّمت للجمهور، ولم تحقق الأهداف التي أُعلنت، وهناك فجوة واضحة بين الرواية الرسمية والواقع الميداني.

 

ينطلق هذا الطرح من ثلاث ملاحظات مركزية: أن الولايات المتحدة قادت الحرب فعلياً فيما جرى تضخيم الدور الإسرائيلي، وأن “الإنجازات” عُرضت بطريقة انتقائية لا تعكس دائماً أثرها الحقيقي؛ وأن الأهداف الكبرى، وفي مقدمتها حسم التهديد الإيراني أو إسقاط النظام—لم تتحقق. 

ورغم أن هذا النقد يبدو قريباً من خطاب المعارضة، إلا أنه في جوهره نقد من داخل المنظومة الإسرائيلية نفسها، موجّه أساساً إلى الداخل، إلى جمهور بدأ يطرح أسئلة صعبة بعد أسابيع من التعبئة والوعود الكبيرة.

 

ذلك أن ما تكشف تدريجياً لا ينسجم مع صورة “النصر” التي جرى تسويقها. فالحرب التي قُدمت كتحالف متكافئ، أظهرت في الواقع تفوقاً أميركياً حاسماً في إدارة العمليات، مقابل دور إسرائيلي أقل مركزية. وحتى في عرض “الإنجازات”، برزت فجوة بين الأرقام والواقع، حيث جرى تضخيم النتائج عبر طرق احتساب لا تعكس دائماً التأثير الفعلي.

 

ومع ذلك، لا يمكن اختزال ما جرى بالفشل الكامل. فقد حققت إسرائيل، بدعم أميركي، إنجازات عسكرية مهمة: ضربات واسعة للبنية العسكرية الإيرانية، تراجع في بعض قدرات الدفاع الجوي، وقدرة واضحة على العمل في العمق الإيراني، بما يشبه فرض تفوق جوي فعلي. هذه ليست نتائج هامشية، بل مؤشرات على تطور نوعي في القدرة العسكرية الإسرائيلية.

 

لكن هذه الإنجازات بقيت دون ترجمة استراتيجية حاسمة. فالبرنامج النووي الإيراني لم يُحسم، والصواريخ الباليستية استمرت حتى اللحظة الأخيرة، والأهم أن النظام في طهران لم يسقط. هنا تحديداً تظهر الفجوة: بين حرب قوية عسكرياً، لكنها عاجزة عن إنتاج نتيجة سياسية نهائية.

 

في المقابل، خرجت إيران من الحرب بصورة معقدة بدورها. فهي لم تنتصر بالمعنى التقليدي، لكنها صمدت. حافظت على تماسك نظامها، وواصلت الرد حتى وقف إطلاق النار، ونجحت في استخدام أوراق ضغط مؤثرة. وهذا الصمود، في حد ذاته، كافٍ لإفشال هدف الحسم الذي سعت إليه إسرائيل.

 

إذا كانت الحرب مع إيران قد انتهت بلا حسم، فإن الجبهة اللبنانية كشفت حدود القوة الإسرائيلية بشكل أكثر وضوحاً. فالتصعيد في لبنان، حتى بعد وقف إطلاق النار في الساحة الإيرانية، لم يكن مجرد امتداد عسكري، بل تعبير عن مأزق استراتيجي.

 

إسرائيل، التي راهنت على إضعاف حزب الله أو ردعه، وجدت نفسها أمام واقع مختلف: قدرة قتالية قائمة، استنزاف ميداني، واستمرار التهديد للعمق الإسرائيلي. بل إن بعض التطورات كشفت عن إرهاق متزايد في الجيش بعد حرب طويلة متعددة الجبهات.

 

إذا كانت إسرائيل غير قادرة على حسم جبهة قريبة ومباشرة، فما معنى “الإنجازات” البعيدة في إيران؟

بهذا المعنى، لم تكن جبهة لبنان مجرد ساحة قتال إضافية، بل اختباراً عملياً لحدود القوة العسكرية—وهو اختبار لم تُحسم نتائجه حتى الآن.

 

في الداخل الإسرائيلي، يتبلور اليوم صراع واضح بين روايتين: رواية مؤيدي بنيامين نتنياهو ترى أن ما تحقق هو نجاح كبير غير مكتمل، إنجازات عسكرية غير مسبوقة، تفوق جوي، وإضعاف لإيران، حتى لو لم تتحقق كل الأهداف.

في المقابل، ترى السردية النقدية، كما يعكسها هرئيل، أن هذه الحرب تكشف فجوة عميقة بين الطموح والواقع. إنجازات تكتيكية مهمة، لكنها لم تغيّر المعادلة الاستراتيجية، ولم تحقق الأهداف التي أُعلنت للجمهور.

 

لكن اللافت أن هاتين الروايتين، رغم تعارضهما، تتحركان داخل الإطار نفسه: كلاهما يحاول إعادة تفسير الحرب لا الخروج منها. وهذا ما يجعل الصراع الحقيقي اليوم ليس فقط على ما جرى، بل على معناه.

 

في المحصلة، لا يمكن وصف ما حدث بانتصار واضح، ولا بهزيمة كاملة: إسرائيل لم تحقق أهدافها الكبرى، لكنها حققت إنجازات عسكرية مهمة، خاصة في المجال الجوي. إيران لم تنتصر، لكنها صمدت ومنعت الحسم ضدها. ولبنان كشف حدود القوة الإسرائيلية وأعاد التهديد إلى الواجهة.

وهكذا، تتحول الحرب إلى معادلة مفتوحة: نتائج غير حاسمة، وسرديات متصارعة، وواقع لم يتغير جذرياً. في النهاية، قد لا يكون السؤال من ربح الحرب، بل: هل يمكن تحويل غياب النصر إلى رواية انتصار؟