لم تكن تلك الليلة عادية في حسابات الزمن، ولا في وجدان من تابعوا تفاصيلها لحظةً بلحظة. كانت ليلةً ثقيلة، مشحونةً بالقلق، وكأن المنطقة بأسرها تقف على حافة هاوية لا يُرى قاعها. جلستُ أتابع الأخبار، تتزاحم الشاشات أمامي، وتتلاحق العناوين العاجلة، فيما تتصاعد نبرة التهديدات بشكل غير مسبوق، حتى بلغت حدّ الحديث عن محو حضارة بأكملها. في تلك اللحظات، لم يكن المشهد سياسيًا فحسب، بل إنسانيًا بامتياز؛ إذ تسلّل الخوف إلى النفس، لا على دولةٍ بعينها، بل على أمةٍ بأسرها، وعلى مستقبل منطقةٍ اعتادت أن تدفع ثمن صراعات الكبار.
كنتُ في حالةٍ من "الخوف والترقّب"، أقاوم النعاس الذي لم يزر عيني، وأتنقّل بين التحليلات والتقارير، أبحث عن بصيص أملٍ في زحمة هذا التصعيد المخيف. كان الليل طويلاً وثقيلاً، كأنه يرفض أن ينقضي، وكأن عقارب الساعة قد توقفت عند ذروة التوتر. ومع أول خيوط الفجر، حدث ما يشبه التحوّل المفاجئ في المشهد؛ تراجعت لغة الحرب، وبرزت ملامح التهدئة، ليصل خبر وقف المواجهة كنسمة باردة بعد ليلٍ حارق. عندها فقط شعرتُ أن العالم – أو على الأقل منطقتنا – قد نجا من لحظةٍ كانت كفيلة بتغيير كل شيء. ومن هنا، تردّد في داخلي سؤالٌ مع إشراقة ذلك الصباح: هل آن الأوان ليتنفس العالم الصعداء؟
في لحظةٍ كانت تبدو وكأنها على حافة انفجارٍ إقليمي واسع، تراجعت نبرة التهديدات الأمريكية التي أطلقها دونالد ترامب، والتي لوّح فيها – في ذروة التصعيد – بإمكانية “إنهاء حضارة بلاد فارس” واستهداف بنية الجمهورية الإسلامية الإيرانية. لكنّ المشهد الذي بدا أقرب إلى حافة الحرب، انتهى – أو على الأقل تجمّد – عند طاولة التفاوض، حيث عادت السياسة لتفرض إيقاعها على منطق القوة.
هذا التحول لم يكن عابرًا، بل يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الأطراف بأن كلفة المواجهة المباشرة، خصوصًا في الخليج، ستكون باهظة على الجميع، وأن الانزلاق إلى حرب شاملة لن يوفّر منتصرًا واضحًا، بل سيُنتج خسائر استراتيجية تتجاوز حدود الإقليم.
في قراءة متأنية لنتائج هذا التفاهم غير المعلن، يمكن القول إن إيران خرجت بما يشبه “انتصار الصمود”، إذ لم تُجبر على تقديم تنازلات جوهرية تمسّ بنيتها السياسية أو برنامجها الإقليمي، وفي الوقت ذاته نجحت في امتصاص الضغوط واحتواء التهديدات دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة. في المقابل، يمكن القول إن إدارة دونالد ترامب حققت بدورها “انتصارًا تكتيكيًا”، إذ استطاعت أن تُظهر نفسها بمظهر الطرف القادر على فرض التهديد ثم التراجع إلى التفاوض من موقع قوة، وهو خطاب يخدم جمهورها الداخلي، خاصة في ظل حسابات الانتخابات. ومع ذلك، فإن الحقيقة الأعمق قد تكون أن المنتصر الأكبر هو “منطق التهدئة” ذاته، الذي جنّب المنطقة حربًا كانت كفيلة بإشعال الخليج من مضيق هرمز إلى عمق العواصم العربية.
وبالنسبة لدول الخليج، فإن هذه التهدئة تفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة مع إيران، بعد أن أثبتت التجربة أن الرهان على التصعيد الخارجي لا يضمن الأمن، بل قد يضاعف المخاطر. ويبدو أن هذه الدول مرشّحة – استراتيجيًا – لمراجعة تموضعها الإقليمي، عبر تبنّي سياسة أقل اعتمادًا على المظلة الأمريكية، وإعادة النظر في حدود الرهان على مسار التطبيع الإبراهيمي مع إسرائيل، مقابل الانفتاح على خيار إصلاح العلاقة مع إيران وبنائها على أسس أكثر واقعية وتوازنًا. ومن المرجّح أن الإيرانيين، وقد خبروا كلفة التصعيد، سيكونون أكثر حرصًا خلال المرحلة القادمة على الدفع نحو مقاربات تصالحية مع محيطهم الخليجي، بما يفتح الباب أمام صياغة رؤية استراتيجية مشتركة تقوم على دعم الأمن والاستقرار، وتعزيز فرص الازدهار، واحترام المصالح المتبادلة، بما يخدم شعوب المنطقة ويُخفف من حدة الاستقطابات التي أنهكتها لسنوات طويلة.
أما في إسرائيل، فإن هذا التحول لا يخدم طموحات بنيامين نتنياهو، الذي لطالما راهن على تصعيد المواجهة مع إيران لتوحيد الجبهة الداخلية وتعزيز موقعه السياسي. فغياب المواجهة الكبرى يسحب من يده ورقة “الخطر الوجودي”، ويعيد تركيز الناخب الإسرائيلي على قضايا داخلية أكثر إلحاحًا، مثل الفساد، والانقسام السياسي، وتداعيات الحرب في غزة، وهو ما قد يضع مستقبله السياسي أمام تحديات أكثر تعقيدًا.
وبالنسبة لـ دونالد ترامب والحزب الجمهوري، فإن هذه التهدئة تحمل وجهين؛ فمن جهة يمكن تسويقها كإنجاز دبلوماسي حال دون اندلاع حرب، ومن جهة أخرى قد تُقرأ باعتبارها تراجعًا عن خطاب “الحسم بالقوة”. وفي سياق الانتخابات النصفية، سيبقى نجاح هذا الطرح مرهونًا بكيفية قراءة الشارع الأمريكي لما جرى: هل هو إنجاز أم تراجع؟ وهل كانت هذه الحرب – في حقيقتها – تعبيرًا عن مصالح الولايات المتحدة أولًا، أم أنها جاءت استجابةً لأولويات إسرائيل ورهانات بنيامين نتنياهو؟
وسط كل هذه التحولات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا بالنسبة لنا كفلسطينيين: أين موقعنا في هذه المعادلة؟ فالحقيقة المؤلمة أن القضية الفلسطينية لم تكن في صلب هذه التفاهمات، بل بقيت على هامش أولويات القوى الكبرى والإقليمية، في وقت يستمر فيه الاحتلال بفرض وقائعه على الأرض في الضفة الغربية وقطاع غزة. إن أي تهدئة إقليمية لا تُترجم إلى ضغط حقيقي لإنهاء الاحتلال، قد تتحول إلى “هدوء فوقي” يُبقي جذور الصراع دون معالجة.
ما جرى ليس نهاية للصراع، بل ربما بداية لمرحلة جديدة من “إدارة التوتر” بدلًا من “تفجيره”. وقد يشكّل ذلك فرصة لإعادة بناء توازنات أكثر عقلانية في المنطقة، إذا ما أُحسن استثمارها. لكن في غياب رؤية شاملة تعالج جذور الأزمات – وعلى رأسها القضية الفلسطينية – فإن أي تهدئة ستظل مؤقتة وقابلة للانفجار في أي لحظة. ويبقى الأمل أن تكون شمس ذلك الصباح، التي أشرقت على إيران، بدايةً لصباحٍ أوسع يتنفس فيه الشرق الأوسط كله… لا بعضه فقط.