أميركا تدفع ثمن حماقة ترامب
نشر بتاريخ: 2026/04/07 (آخر تحديث: 2026/04/07 الساعة: 17:34)

تظهر نتائج المعركة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من الجهة الأخرى، في أحد أشكالها، تراجع الأهداف بشكل حاد بين ما أعلنه طرفا العدوان، وما صارا يعلنانه في الشهر الثاني للحرب، كذلك من خلال النبرة التي يتحدث بها دونالد ترامب بالتحديد، وهو رجل متغطرس على أي حال، لكن مع ذلك ومع تراكم الصدمات وتتابعها بما يعني أن الإحباط بدأ يتسلل إلى داخله، ولعل الدليل الأوضح كان إعلانه عن بشرى النجاح الأميركي في إنقاذ الطيار الذي سقطت طائرته في الأجواء الإيرانية من الأسر!

وقبل ذلك بات تهديد ترامب، ومنحه المهلة تلو الأخرى لإيران، مرتبطَين فقط بفتح مضيق هرمز، بعد أن كان قد طالب إيران بالاستسلام الكامل، معتقداً أنه سيسحق إيران ويشطبها من على خارطة الجغرافيا السياسية، وهو بالنظر إلى أنه يتحكم بزمام أقوى دولة في العالم، من الطبيعي خاصة من الناحية النظرية أن يعتقد بهذا، وبالنظر أيضاً إلى أنه رجل، حتى قبل أقل من عشرين عاماً، لم تكن له أي علاقة بالسياسة، ولم يكن حتى عضواً في الحزب الجمهوري، ودخل عالم السياسة، من باب الترف والبحث عن "الشو الإعلامي" والذي كان يبحث عنه قبل ذلك في حلبة المصارعة الأميركية الحرة، كذلك بالنظر إلى أنه وصل للبيت الأبيض، بشكل هزلي، والأهم أنه عاد إليه، بطريقة غريبة، بعد أن ارتكب الخطايا بحق التقاليد الديمقراطية الأميركية، حين رفض الاعتراف بهزيمته عام 2020، واتهم المؤسسة الديمقراطية بالتزوير، وحرّض أنصاره على اقتحام الكابيتول!

كل هذا جعل من نرجسيته تتضخم، ليعتقد أن السيطرة على العالم تشبه ما فعله بالسيطرة على الدولة الأميركية، وقد وصلت عنجهيته إلى أبعد مدى، بعد إخفاقات بالطبع، حين نجحت قوة "دلتا" في القبض على الرئيس الفنزويلي، ومع تحريض إسرائيلي متواصل، ظن أنه يمكن أن يواصل طريقه المغامر هذا، في طول العالم وعرضه، وحين قارن بين القوة العسكرية الأميركية/الإسرائيلية بقوة إيران بعد عقود على العقوبات المتواصلة عليها، اعتقد أنه قاب قوسين أو أدنى من الوصول لنقطة النهاية التي تضع حداً للتحدي الصيني/الروسي لنظام الهيمنة الأميركي العالمي.

هكذا بدأ ترامب الحرب على إيران، وفي الضربة الأولى ألقى بكل ما في جعبته من حصيلة التخطيط الاستخباراتي، وكل ما جمعه "الموساد" الإسرائيلي خلال عقود من جهد بزرع العملاء داخل إيران، وضرب بكل تفوقه الجوي، باستخدام جلّ السلاح الجوي الإسرائيلي، وطائرات الشبح، مدعومة بالبوارج وحاملات الطائرات، وكأن أميركا دخلت الحرب العالمية الثالثة، في مواجهة مع الصين أو روسيا أو الاتحاد الأوروبي، وكان الهدف المعلن، بعيد المدى، إسقاط النظام، وتنصيب نظام عميل، يضع إيران بالكامل تحت جناح أميركا، تماماً مثل فنزويلا، ويحقق لأميركا السيطرة على معظم النفط العالمي، ليقبض على رقبتَي الصين وأوروبا معاً، ويحكم قبضته على النظام العالمي، لكن إيران بقدر ما فاجأته بما لديها من قدرة على امتصاص الضربة الأولى، بقدر ما أدخلت على المواجهة العسكرية عناصر أخرى، كان أهمها استهداف قواعده العسكرية الموجودة في دول المنطقة، وكذلك الضغط الاقتصادي من خلال مضيق هرمز.

وبقدر ما شكل سلاح الجو الأميركي الإسرائيلي ومخابرات إسرائيل عنصراً مؤلماً لإيران، كان تحكم إيران بمضيق هرمز مؤلماً لترامب، الذي حاول فتح المضيق بكل وسيلة، لكن فشله يدفعه للإدراك أن الحرب لم تكن مجرد نزهة أو مغامرة عسكرية وحسب، ولأن الحرب تمس جوهر النظام العالمي، فإنه من الطبيعي أن صمود إيران العسكري يحتاج دعماً صينياً بالدرجة الأولى وروسياً بالدرجة الثانية، وإذا كان ميدانياً قد تعزز بدخول "حزب الله" أولاً ومن ثم أنصار إيران في العراق ثانياً، ومن ثم الحوثي في اليمن ثالثاً، فإن الصين وروسيا بمساندتها إيران سياسياً في مجلس الأمن من خلال صد محاولات تجريد إيران من الورقة الأهم التي بيدها، وهي ورقة هرمز، بدلاً من توجيه الضغط نحو أميركا من أجل وقف الحرب، دون تحقيق هدف ترامب بالسيطرة التامة على إيران، وبالتالي على كل الطاقة في الخليج بجهتَيه الشرقية والغربية.

كذلك هناك دعم لوجستي مؤكد من خلال الإسناد بما ينقص إيران من أقمار صناعية واستخباراتية، وخير دليل على ذلك هو انحراف منحنى الحرب بعد شهرها الأول، حيث بدأ العدوان الأميركي الإسرائيلي يفقد السيادة الجوية المطلقة، من خلال ظهور فاعلية المضادات الجوية الإيرانية، التي بدأت تنجح في إسقاط الطائرات الأميركية والإسرائيلية، وذلك عشية التهديد بحرب برية، يبدو أنها صارت ضرب أحلام، وقد توقف الحديث عنها لصالح التهديد بضرب مراكز الطاقة الإيرانية، وهذا يعني أن ترامب لم يعد في جعبته سوى المقامرة بكل شيء، أو بحرق الشرق الأوسط والعالم بالكامل، لأن استهداف مراكز الطاقة الإيرانية لا يفقد العالم بترولها وحسب، بل يحرق كل نفط وغاز الشرق الأوسط، والحقيقة أن تتبع حالة مرور السفن في مضيق هرمز يؤكد أن إيران - ولو توقفت الحرب اليوم، وهي لن توقفها إلا حين تقتنع بأنها قد حققت من خلالها الحد الأدنى من هدف الردع - ستكون هي الرابح مع ما حدث فيها من دمار وخسائر، لأنها ستخرج بإقرار دولي بإدارتها لهرمز، الذي سيعوضها عن الخسائر الناجمة عن العقوبات الدولية، وستكون بصدها لآلة الحرب الأميركية والإسرائيلية اللاعب الأهم في الشرق الأوسط، وستكون قطباً عالمياً، يقود الشرق الأوسط الغني بمصادر الطاقة.

أما أميركا فإنها على الأغلب ستكون الخاسر الأكبر، لأنها لن تكون قد فقدت آخر أمل لها في الإبقاء على نظامها العالمي الحالي وحسب، لأن دولاً عديدة ستفقد الثقة بها، وستتشجع للعلاقة مع إيران والصين، بل لأنها ستضطر إلى إغلاق قواعدها العسكرية في المنطقة، التي تدمرت بشكل كبير خلال الحرب، ولأن الحرب طرحت سؤالاً جوهرياً حول جدوى وجودها، الذي لم يكن يخدم سوى جمع المعلومات عن الصين وروسيا ودول غرب آسيا لأميركا، ولم تقدم سوى الحماية الأمنية لإسرائيل فقط، ولم تقدم مثل تلك الحماية للدول التي تتواجد على أراضيها.

أما إسرائيل فإنها تسابق الزمن، بِرهانها على التمدد الجغرافي، وهو يعتبر مغامرة خطرة للغاية، لأنها تتطلب تحقيق هدف تدمير الخصم بالكامل، وكل ما يقوله بنيامين نتنياهو عن إلحاق التدمير الهائل بإيران وإلحاق الخسائر بـ"حزب الله"، لا يعنيان شيئاً، فإن لم يتحقق الهدف بالكامل، فإن تحقيق نصف الهدف لا يعني إلا تحجيم إسرائيل، ليس إلا مسألة وقت، وحتى نقترب من الصورة أكثر، نأخذ مثال غزة، فالهدف فيها الذي ينطبق مع هدف إسرائيل الكبرى هو تهجير سكانها، وليس مجرد "قضم" جزء من أرضها، لأن إسرائيل لم تعد تفكر في مجرد توسيع رقعتها بنسبة 5 أو 10% على حساب غزة وسورية ولبنان، فهذا سيبقى خلافاً حدودياً، يتسبب في حروب قادمة، وتدمير "حماس" اليوم، مع عدم حسم وجودها، بل في ظل عدم تهجير السكان، سيعيد الحالة بعد سنوات إلى ما كانت عليه سابقاً، وكذلك الحال في لبنان، وحتى سورية، التي بقيت في حالة حرب مع إسرائيل مع احتلال الجولان، وستبقى كذلك مع احتلال مناطق إضافية أخرى.

والأسوأ من كل ذلك، أن إسرائيل اضطرت في هذه الحرب التي تواصلها منذ عامين ونصف العام، ولم تكن الحرب على إيران إلا فصلها الأخير، إلى الإفصاح عن نواياها، وقد اضطر يمينها الفاشي إلى ذلك حتى يقنع الداخل الإسرائيلي بمواصلة الحرب، وخسرت إسرائيل عنصراً حاسماً له علاقة بوجودها نفسه، حين اضطرت لخوض حرب الإبادة على غزة، فظهرت كدولة فاشية لكل العالم، ثم اضطرت لإعلان هدفها بقيام إسرائيل الكبرى لتثير مخاوف كل دول الشرق الأوسط، ومن المؤكد أن الشرق الأوسط بعد هذه الحرب لن يكون أبداً كما كان من قبلها، وقد ينطبق بذلك القول "إن حساب البيدر لم يكن كحساب الحقل"، أو إن النتائج جاءت عكسية تماماً، فحيث إن نتنياهو تطلع إلى قيام إسرائيل الكبرى، وترامب إلى فرض النظام العالمي من جديد، كما كان مطلع تسعينيات القرن الماضي، فإن الأمور قد تنقلب تماماً؛ مع سيطرة إيرانية لم تكن تفكر فيها على مضيق هرمز، وسيطرة يمنية صريحة على باب المندب.