انتهيت من قراءة رواية #سماء_غزة_من_زجاج .. للعزيز #الدكتور_أسامة_الفرا، لأجدني أقف مشدوهًا على تخوم صرح من الوجع والألم الإنساني، فرغم أن كل غزي قد عاش مرارة هذا الجحيم وسلك دروب المعاناة اليومية، إلا أن ذلك الوصف التفصيلي للمحرقة، أعادني وأعاد كل قارئ إلى ذكرياته الخاصة المرتبطة بيوميات المأساة التي لازالت مشاهدها حاضرة، فمنذ البدء تصدمك مفارقة عميقة تحول السماء برحابتها، إلى زجاجٍ هشّ، ومصدرًا للرعب، ومسرحًا لطائرات تنسج الردى فوق شعب أعزل. ثم يتواصل السرد ليختلط جحيم الحاضر بذكريات الماضي، فتتكشف حسرات وجراحِ غائرة التي لم تندمل بعد.
تُقدِم الرواية في بناء فني رائع، أبعادًا جذرية تتجاوز حدود المروية لتطرح قضايا العدالة والحقوق السياسية والقيم الإنسانية في مواجهة جريمة العصر، وتحكي في قالب مأساوي سيرة شعب تعرض للسحق والإبادة على مرأى من العالم بأسره، وترسخ أثرًا عميقًا لدى القارئ وهو يتجول بين ثنايا الرواية مثقلًا بالحزن والقهر والانكسار، موقعًا بدموعه على صحة ما ورد فيها من وقائع دامية. ويستمر دولاب المعاناة في الدوران ليرسم مأساة أجادت تمثيلها "حنين" في كل خطوة، لتتعدى كونها مجرد شخصية روائية، وتصبح لسان حال ضمير شعبنا الجمعي.
لم تكن "سماء غزة من زجاج" نصًا أدبيًا رصينًا فحسب، بل كانت وجعًا أحال السطور والصفحات إلى مدن مهدومة وطرق مدمرة وبنايات محروقة وخيام بالية، واستعادت عبر أبطال الرواية مشاهد الشهداء والجرحى والأسرى والمفقودين والجوعى والمكلومين، في معايشة شعورية حية من قلب المعاناة حيث تسكن تراجيديا الألم. فقد عزفت بطلة الرواية "حنين"، أوركسترا ملحمية لخصت باقتدار أهوال يوميات الحرب الدامية، في مشاهد تصويرية غاية في التأثير، تلمح من خلالها الأشلاء والدخان والركام والأنين بين الحروف، في عرض بانورامي بديع لتفاصيل درب الآلام المستمر، حيث قصف المشافي والمدارس والنزوح، والإخلاء والتدمير، و المجازر، ومخاض الهدنة، وانعدام سبل الحياة وتعطل الخدمات، و إغلاق المعابر وغلاء الأسعار وتفشي المجاعة والأمراض خاصة في مراكز الإيواء غير الآدمية، وغيرها العديد من مشاهد الكارثة الإنسانية.
ثم تأتِ مرافعة "حنين" التاريخية في البرلمان البريطاني وهي ترسم بوعي تفاصيل ما جرى من جرائم ضد الإنسانية في غزة، حيث خيمت على المكان صور وأرواح الضحايا، في عرض مهيب قدمته أمام هذا المحفل، فقد ذاب إحساسها الصحفي المهني بشعورها الوطني وضميرها الإنساني، و انتصرت لرواية شعبها عندما وثقت بدقة جرائم الحرب، ودفعت ثمنًا باهظًا بفقدانها ذراعها و مقتل كل عائلتها باستثناء شقيقها، لتقدم رسالة مفادها أن هذه التضحيات الجسام آن أن تنهي، ليحقق شعبنا آماله وحقه بالحرية والانعتاق من نير آخر احتلال عرفه التاريخ.