ترامب يقود العالم إلى الحروب
نشر بتاريخ: 2026/04/03 (آخر تحديث: 2026/04/03 الساعة: 21:12)

في خطابه الى الشعب الأميركي، أجمل الرئيس دونالد ترامب، كل ما سبق له وأن «تشدق» به خلال أكثر من شهر مضى، من نتائج ومواقف وخطط رافقت حربه الشعواء على دولة إيران، وبعد أن لوحظ بأن البيت الأبيض، وعلى غير عادة الإدارات السابقة، لم يتابع الحرب الخارجية عبر المؤتمرات الصحافية، جاء خطاب ترامب هذا، كمناسبة للتعويض عن ذلك الخلل، أو التجاهل المتعمد من إدارة يبدو أنها أكثر الإدارات الأميركية _على الإطلاق_ تجاهلاً للتقاليد الرئاسية، بل وتجاهلاً للقوانين الداخلية والخارجية، حيث يمكنها ذلك.

في ذلك الخطاب، حاول ترامب أن يبرر خوضه لتلك الحرب، بالادعاء بأنها جاءت لقطع الطريق على احتمال امتلاك ايران للسلاح النووي، وأنها جاءت بعد سبعة وأربعين عاماً من العداء الإيراني لأميركا، ولم يتطرق بالطبع لعدم حرصه على تغطية قرار الحرب بقرار من الكونغرس مالك قرار الحروب الخارجية، خاصةً حين لا يكون هناك تهديد خارجي للبلاد، كما أنه لم يتطرق بكلمة الى أنه تجاهل المجتمع الدولي، ولم يحرص حتى على تغطية قرار الحرب بقرار أممي، كما فعل الرؤساء السابقون في حروبهم في العراق وشرق أوروبا وأفغانستان، ومع كل ذلك فقد أعادت فقرات الخطاب للأذهان كل ما كان يقوله ويدّعيه ترامب من مواقف كان كثير من المراقبين يعتبرها متضاربة، حتى أن ايران نفسها، كانت تشير وترد بأن الرجل وبعد أكثر من أربعة عشر شهراً مرت على وجوده في البيت الأبيض، اعتاد على إطلاق المواقف في كل اتجاه، ثم إطلاق نقيضها بعد ساعات قليلة.

ولا أحد يمكنه القول عكس ذلك، فترامب يدير البيت الأبيض بشكل فردي، ويقود الولايات المتحدة كذلك دون اهتمام واضح بمؤسسات الدولة، ويتفوه بكل ما يوحي بنرجسيته المتضخمة، ويظهر ذلك حين يتحدث عن إدارته وعن شخصه بالمقارنة مع الرؤساء السابقين، حيث يعتبر نفسه الأهم والأفضل، وهو يفعل ذلك وهو جالس في مكتبه دون أن يغادره، من خلال منصة «تروث سوشيال»، التي تغنيه عن المؤتمرات الصحافية، لأن ترامب كما هو حال كل القادة الذين يميلون الى الفردية والى الإفراط في استخدام القوة، يتجنب النقاش مع الآخرين، ويفضل اتخاذ القرارات بشكل فردي، ولذلك يحيط نفسه بأشخاص تابعين، وهذا ما فعله بكلمته أمام الكونغرس التي استمرت عشرين دقيقة، دون أن يتخللها نقاش أو تصويت على قرار الاستمرار بالحرب مثلاً، بعد أن اتخذ قرار الحرب من قبل السلطة التنفيذية، دون الرجوع للسلطة التشريعية.

حاول ترامب على أي حال، مدفوعاً برغبة من حزبه الجمهوري، على ما يبدو، للتخفيف من حالة التآكل في التأييد الشعبي لإدارته، طمأنة الجمهور الأميركي، بالقول بأن الحرب توشك على النهاية، بعد أن حقق معظم أهدافها، لكن بالطبع ترامب تحديداً ليس مهتماً في ولايته الثانية باستطلاعات الرأي، لأنه ليس مقدماً على خوض انتخابات رئاسية ثالثة، وهو أصلاً ليس رئيساً عاش حياته في الحزب الجمهوري، الذي لم ينتسب اليه إلا متأخراً، وبعد أن خاض أول تجربة سياسية له وهو من خارج الحزب الجمهوري، لهذا فإن درجة المغامرة عنده عالية جداً، بالنظر الى طبيعته كرجل أعمال أكثر من كونه سياسياً، تشرّب أصول التعامل السياسي والدبلوماسي مع الرؤساء الآخرين، سواء الأميركيين أو غيرهم، وحتى مع المؤسسات الأميركية أو الدولية.

لكن بالعودة، الى ما يعتبره كثير من المراقبين تضارباً، في المواقف والتصريحات، الخاصة بحربه ضد ايران التي يطلقها ترامب، ويعتبرون أنها دليل على «تخبطه» لدرجة أن تعتبره صحافية اميركية مختلاً عقلياً، وبحاجة للعلاج في المصحة الطبية. وإشارةً لتضارب التصريحات والمواقف، إضافة الى تجنبه لما تنطوي عليه المؤتمرات الصحافية من «حوار ونقاش» مع الصحافيين، لا يتقنه ترامب العدائي، والذي كثيراً ما دخل في مساجلات غير ودية مع الصحافيين، بل ويعتبر الصحافة الأميركية في معظمها معادية، ويعدّ بعضها أبواقاً إيرانية، فإننا نعتبر هذا التضارب تكتيكاً متعمداً، وذلك لتضليل الخصم، مع محاولة إفشال أو التقليل من تأثيرات ما ينجح به الخصم من إنجازات ميدانية.

فما تتضمنه تصريحات ترامب من تهديدات هي موجهة بالأصل للجانب الإيراني لتخويفه، وهذه التهديدات كانت قبل الحرب، وما زالت ترافقها، كل يوم وأكثر من مرة، وقد سبق له وأن فعل هذا مع غزة، ومع اليمن، بل وهدد طول العالم وعرضه، من بنما وكندا الجارتين، الى إيران وأوكرانيا، مروراً بغرينلاند وكوبا، بل وبدأ عهده بإطلاق حملة التعرفات الجمركية، التي اعتقد بأنه عبرها يمكنه أن يعيد فرض النظام الأميركي على العالم، لكن دون جدوى، وكل تهديداته ذهبت أدراج الرياح، ولم يتحقق منها سوى القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، واستبداله بنائبته، أي أنه حتى انجازه الخاص بفنزويلا، لم يغير النظام فيها تماماً، بل وربما في لحظة قادمة، بمجرد أن يهبط الاهتمام الأميركي، تعود فنزويلا للخروج من «الحاضنة» الأميركية، وفي حقيقة الأمر ربما كانت التهديدات في اول الأمر، بالنظر الى قوة اميركا العسكرية والاقتصادية وحتى السياسية، تؤثر في الآخرين، كما حدث مع أوكرانيا الى حد ما، وبالنظر الى ما كانت تحدثه من اهتمام إعلامي عالمي، إلا أنها بعد أن ظهر معظمها كبالونات هوائية، باتت بدون قيمة، وبلا تأثير.

أما التصريحات التي تبدو كنقيض للتهديد، من مثل تمرير ما يوحي بوقف الحرب، وما يرافق ذلك من إعلانات إسرائيلية عن مخاوف مما يفعله ترامب «المزاجي» الذي لا أحد يعرف ما يدور بعقله، فهي من أجل تهدئة مخاوف الرأي العام داخل أميركا، ووقف حالة التدهور في شعبية البيت الأبيض، مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية، والأهم بالطبع محاولة لتهدئة أسواق النفط والطاقة، التي تتعرض لترموميتر متصاعد، مع اختناق مضيق هرمز، أما ما يطلقه ترامب كذباً من ادعاءات حول عدم تشدد القادة الإيرانيين، ومن أنهم يتوسلونه من أجل وقف الحرب، وما الى ذلك، فهو يعتبر أهم اعلاناته لأنه عبره يحقق أكثر من هدف، لذلك يحرص القادة الإيرانيون السياسيون والعسكريون، ومعهم حتى الوسطاء، الى الرد فوراً، على أن كل ذلك كذب، وليس هناك سوى رسائل متبادلة، أميركا هي الطرف الذي سعى لها وليس إيران.

وهذه الادعاءات تحاول أن تؤثر بالسلب على الأداء العسكري الميداني الإيراني، بإحداث البلبلة في صفوف الحرس الثوري والجيش، ومحاولة دق إسفين بين عسكر إيران وسياسييها، كذلك يحاول أن يهدئ سوق الطاقة، وأن يشجع الآخرين سواء كانوا في أوروبا أو في الخليج، للانضمام له في حربه، على الأقل حين تنتقل من ميدان القتال الى طاولة التفاوض.

على أن الحرب التي كان يريدها ترامب ونتنياهو خاطفة، أو قصيرة الأمد، ما زالت أبعد عن لحظة وقفها، بل ولا يبدو أكثر من ذلك، أن هناك ما يلوح في الأفق ويشي باحتمال وقف إطلاق النار، كاستراحة محاربين، خلال الأيام القادمة، وأن استراتيجية ترامب الخاصة بفرض السلام بالقوة، لا تسير على خير ما يرام، وترامب لا يهتم كثيراً بمستقبل حزبه في الانتخابات النصفية، ونتنياهو يفضل الوصول لمحطة انتخابات الكنيست، إن لم يكن بانتصار واضح وصريح، فمع وجود الحرب، بما يعني مزيداً من الدمار في إيران، ومن التآكل في القدرة العسكرية الإسرائيلية، والانهيار الداخلي، وكذلك مزيدا من التراجع في المكانة الأميركية العالمية، والأهم من كل ذلك الانهيار الاقتصادي العالمي، الذي سينال منه الخليج مع إيران الجزء الأكبر، ثم بعد ذلك أوروبا وأميركا، أما الصين وروسيا، فلم ينلهما شيء من الخسائر لا العسكرية ولا الاقتصادية، بل بالعكس مع مرور ناقلات النفط الصينية عبر هرمز، ومع تفرد روسيا بأوكرانيا، واضطرار الغرب لاستيراد نفطه وغازه، ستصبح أكثر قوة عسكرية واقتصادية.

وهذا يعني بأن أميركا خاسرة لا محالة لنظامها العالمي، وأن ما قام به ترامب من تجاهل للامم المتحدة وللقوانين الدولية، سيكون سبباً في سباق تسلح عالمي، وفي حروب اقليمية عديدة، وفي أكثر من مكان في العالم، ولن تكون هذه الحرب آخر حروب الشرق الأوسط، لأن دوله والعديد من دول العالم ستخرج منها بدرس، مفاده أن لا أحد في عالم اليوم يمكن أن يكون محمياً لا بالقانون الدولي، ولا بالعلاقات الدولية، فقد كانت أوكرانيا وما زالت حليفاً للغرب الأميركي والأوروبي، لكن ذلك لم يحمها من الغزو الروسي، كذلك لم تحم القواعد العسكرية الأميركية دول الخليج من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، كما أن المعاهدات والاتفاقيات التي وقّعتها إسرائيل مع فلسطين ومصر والأردن، وكذلك اتفاقيات أبراهام لم تعن لإسرائيل شيئاً في حمّى التنافس الإقليمي والعالمي.