أقرّ «الكنيست» الإسرائيلي أخيراً، قانون «إعدام الأسرى» الفلسطينيين لتعدّ بذلك، سياسة إسرائيلية متّبعة، تتسم بالعنصرية في دولة تدّعي منذ زمن أنها دولة ديمقراطية.
يمكن لدول كثيرة، أن تقرّ ضمن تشريعاتها، سواء كانت ديمقراطية أو ديكتاتورية، قوانين من هذا النوع. أميركا التي تعتبر نفسها قائدة الديمقراطية وحقوق الإنسان تعتمد مثل هذا القانون وتمارسه فعلياً.
معظم الدول العربية ذات النكهة الديمقراطية، أو القبلية والدكتاتورية تقرّ وتمارس هذا القانون، الذي يطيح من حيث المبدأ بحق الإنسان في الحياة باعتباره الحق الأهم والأساسي من حقوق الإنسان.
ولكن ثمّة فرقاً جوهرياً بين اعتماد هذا القانون في عديد الدول والأنظمة وبين اعتماده في دولة الاحتلال الإسرائيلي. الفرق الأساسي، هو أن القانون الإسرائيلي، ليس قانوناً عاماً وإنّما هو قانون حصري موجّه فقط للفلسطينيين، ولا يطبّق على سواهم حتى لو كان الآخرون يرتكبون أفظع الجرائم وأشدّها فجاجة.
هنا يُستخدم القانون لتحقيق أهداف سياسية لا تمتّ بصلة بالتصدي القضائي، للحدّ من ارتكاب جرائم في مجتمع طبيعي.
المجتمع الإسرائيلي ليس مجتمعاً طبيعياً، فالمستوطنون يرتكبون كل يوم جرائم تستحق عقوبات مشدّدة، لكنهم لا يخضعون لأية محاسبة من أي مستوى.
حتى أن المستوطنين يرتكبون جرائم واعتداءات على جنسيات غير فلسطينية وتحت حماية وبصر ومساعدة جيش الاحتلال، لكنهم لا يخضعون حتى للمساءلة.
جيش الاحتلال كان قد ارتكب جرائم عديدة بائنة ومنها، على سبيل المثال، قتل الإعلامية المشهورة الأميركية ولكن فلسطينية الأصل شيرين أبو عاقلة، لكن التحقيقات الشكلية المزعومة اختفت في أدراج النسيان.
الولايات المتحدة، كعادتها، واستناداً إلى التزامها بحماية دولة الاحتلال ومنع خضوعها للمساءلة القانونية الدولية، اعتبرت أن إقرار القانون هو حق سيادي لدولة مستقلة، الأمر الذي ينطوي على قبول وتشريع لأقصى ما يمكن أن ترتكبه دولة الاحتلال من جرائم.
كيف لا، وهي أي أميركا، تظاهرت بأنها تُبدي اهتماماً باغتيال أبو عاقلة، لكنها دفنت المسألة كما فعلت دولة الاحتلال.
العالم كلّه تقريباً، أدان صدور قانون «الكنيست»، وحذّر من تداعياته واعتبره خرقاً فاضحاً وواضحاً للقانون الدولي الإنساني. الإدانات من الأجانب والعرب، كانت قاسية وشديدة، ولكن لا أحد يتحرّك عملياً لمعاقبة دولة الاحتلال.
الاتحاد الأوروبي لا يزال يناقش بين الحين والآخر إمكانية اتخاذ عقوبات، لكنه يرتهن إلى آلية الإجماع، التي تمنع صدور أي قرار بمجرد رفض دولة واحدة، غير أن هذه الآلية تنطوي على هروب وتستّر من قبل دول الاتحاد الأوروبي، فإذا كان الإجماع يمنع اتخاذ عقوبات، فما الذي يمنع دولة منفردة من اتخاذ مثل هذه القرارات بحق دولة الاحتلال؟.
تجربة حرب السنتين المستمرة على الفلسطينيين في قطاع غزّة، وجرائم الاحتلال التي رافقتها، ولا تزال مستمرة في الضفة الغربية كسياسة إسرائيلية رسمية، تشهد على أن أوروبا بالعموم، تُستثنى منها إسبانيا وعدد قليل من الدول، رفضت إدانة دولة الاحتلال بارتكاب جرائم إبادة جماعية، اعترفت بها «الجنائية الدولية» و»العدل الدولية».
وكما أن دولة الاحتلال اعتمدت ومارست حرب الإبادة وحرب التجويع، والحرب ضد البقاء في القطاع، فإنّ إقرار هذا القانون يعمد طبيعة النظام الاحتلالي القائم، بما أنه احتلال عنصري، فاشي، لا يعترف لا بمؤسّسات دولية، ولا بأيّة قوانين أو شرائع أنتجتها البشرية، بعد أن دفعت أثماناً باهظة من أجل ذلك.
الدولة العبرية لم تعد تهتمّ بكل هذه المنظومة القيمية والمؤسّساتية الدولية، طالما أنها تحظى برعاية وحماية أميركية، وتواطؤ، أو تردّد من قبل المجتمع الدولي.
وبالعموم، فإن هذه الهويّة لدولة الاحتلال تجسّد ذاتها، وسلوكها الإجرامي، ضد الأغيار الذين تنظر إليهم السياسة الإسرائيلية نظرة عدائية مطلقة.
أبراهام بورغ رئيس «الكنيست» السابق كان قد اعترف خلال لقاء مع المذيع الأميركي الشهير تاكر كارلسون، حين قال إن السياسة الإسرائيلية تنظر لكلّ إنسان أو نظام أو جماعة غير يهودية على أنه هتلر.
يحتفل بن غفير بصدور القانون، ويتحدّى أوروبا، التي لا تستطيع على حدّ زعمه اتخاذ أي إجراء، بما أن إصداره هو حق لدولة ذات سياسة.
القانون لا يطبَّق بأثر رجعي هذا صحيح، ولكنه لا يتضمن أيّة اشتراطات، أو حدود لتعريف العمل الإرهابي، والشخص المعرّض لمثل هذه التهمة، ما يعني أنه في سبيل قمع مقاومة الشعب الفلسطيني فإن أبسط أشكال المقاومة، قد يعتبره الاحتلال عملاً إرهابياً يستحق القائم به، حكماً بالإعدام.
ربما تحاول دولة الاحتلال اختبار إرادة الشعب الفلسطيني على المقاومة، لكنها ستكتشف آجلاً ام عاجلاً، أنه مهما علت التكاليف فإن الشعب الفلسطيني، لن يرفع رايات الاستسلام.
حقيقة أخيرة يمكن التذكير بها في هذا الإطار، وهي أنه لا يوجد في دولة الاحتلال، ونقصد المجتمع السياسي، ما يمكن اعتباره «يميناً» متطرِّفاً، و»يساراً»، فالمفاضلة هنا هي بين «يمين» متطرِّف، وآخر أكثر تطرُّفاً.