كأن غزة عادت للعتمة من جديد بعد أن احتكرت الضوء في زمن الإبادة، كان عليها أن تموت لتؤكد حضورها، هذا اعتقاد سرى لدى النظام الحاكم فيها فذهب بها حيث مغامرته الفادحة ... لا أحد يسأل عنها، فالمعبر مغلق والمساعدات الإنسانية تحتاج إلى مساعدات بعد أن تذرع المحتل بتهريب زيوت أخرى مع الزيوت النباتية، والقتل مستمر بلا توقف، أما المدافع المنصوبة على حدود غزة وداخلها فلا تنام هكذا.
هي حياة الغزيين الذين وجدوا أنفسهم ضحايا صراعهم مع إسرائيل وضحايا صراع إسرائيل مع إيران ويبدو أنهم ضحايا اختلاف أي شيء، فالتجربة طويلة في الإقليم حين تدفع ثمن خصومة أي طرفين.
الحقيقة أنه منذ الحرب على إيران عادت غزة للوراء، ولم تعد خبراً ولا حدثاً رغم مأساتها الإنسانية المستمرة، رغم خطة الرئيس ترامب بوقف الحرب.
فالحرب على إيران ليست محصورة في جغرافيا الدولتين الرئيستين في الصراع إيران وإسرائيل بل ضربت عصب الاقتصاد العالمي ومسّت شرايينه التي تنقل دماء النفط في عروق الاقتصاد العالمي ليتأثر بها كل بيت في العالم، فأسعار الطاقة ارتفعت في أوروبا وكذلك أسعار المواد الاستهلاكية في أميركا.
أما الدول العربية فتتعرض لأزمة غير مسبوقة لم تتوقف عند ارتفاع الأسعار بل وجدت نفسها في حالة انكشاف لأمنها القومي ووجدت أن لديها جامعة هامشية أمام أحداث تاريخية يشكل جزء من المنطقة العربية مسرحاً لها.
بين قوى إقليمية غير عربية يدور صراع في المنطقة العربية على الأراضي العربية، هكذا يبدو واقع أمة تبدو فيه أنها الحلقة الأضعف على أرضها تصارع نفسها باتهامات هي جزء من المشهد الدائم لهذه الأمة ويصارعها غيرها.
وفي كلا الحالتين تدفع الثمن بانتظار الفاتورة القادمة من حروب أخرى في المنطقة، وإن كان الأمر مختلفاً هذه المرة.
وأغلب الظن أن تحولات فكرية وسياسية هائلة ستشهدها المنطقة العربية بعد أن تنتهي الحرب، فما حدث كبير وكفيل بإحداث إفاقة وتحولات لدى عواصم كثيرة.
أما غزة فتبدو وحيدة تركها العالم الذي طالته أزمات الاقتصاد، فكل بيت وكل حكومة وكل دولة مشغولة بترتيب ذاتها والتفكير بمواطنها وضمان سير الحياة فيها دون اضطرابات سواء سياسية أو اقتصادية لا تتحول إلى تظاهرات في الشوارع ممكن أن تؤدي إلى فوضى وإسقاط حكومات، وهو ما جعل القضية الفلسطينية برمتها وغزة على وجه الخصوص تنزاح للهوامش، فلا أحد يفكر بها أمام مستجدات الواقع وقلق المستقبل بمن في ذلك ترامب صاحب فكرة ريفيرا غزة ووقف النار وخطط لا تنتهي، وكذلك كوشنير وويتكوف المشغولان بإيران ..وحده ميلادينوف المكلف بالمهمة لا يريد أن ينزاح هو الآخر ليعود في الأمم المتحد بتصريح أصاب الغزيين بمزيد من القلق والإحباط لجهة ربط الإعمار بتجريد السلاح، رغم أن هذا قد ورد في خطة ترامب.
وجاءت الأخبار من القاهرة قبل أيام بتحريك الملف واقتراح خطة زمنية على حركة حماس قدمها ميلادينوف في زيارة وفد الحركة الأخير للعاصمة المصرية حول تسليم السلاح الخفيف ثم الثقيل متزامناً مع دخول قوات الشرطة الفلسطينية، ليبدأ هذا في أيار القادم ويكتمل بنهاية العام.
إلا أن السياسة الإسرائيلية التي تتحكم بكل شيء تشي بغير ذلك من استمرار خنق غزة واستمرار القتل والقصف الذي لا يتوقف وإزاحة غزة من الأجندة الحكومية والنقاش العام، كل هذا يترافق مع تقارير عن سيطرة حركة حماس وعودتها للتدريب وأشياء من هذا القبيل على سبيل استغلال وجود حماس للتنصل من إعادة الإعمار أو إعادة عربة غزة إلى السكة.
السؤال الذي ينبغي أن يحضر وسط المأساة المستمرة وسوء نوايا إسرائيل هو: ما الذي تريده حماس من غزة وما الذي تفعله وما هو مستقبلها في غزة وما هي أهميتها للغزيين بعد ؟.
فهي لن تهاجم إسرائيل أكثر، ولن تدافع عن أي مواطن أمام انكشاف الغزيين للقوة الإسرائيلية الغازية ولا تستطيع طرد احتلال سيطر على أكثر من نصف غزة، ولا تستطيع إدارة سكان على كومة الخراب التي تسببت بها حين ذهبت لأقصى المعادلة، ولا تستطيع رفع حصار استمر في عهدها لتسعة عشر عاماً.
فماذا تريد وبماذا ستبرر وجودها وما هو الدور الذي ستقوم به والذي يستحق أن يعاني الغزيون كل هذه المعاناة من أجله ؟
لم يعد خافياً أن إسرائيل لديها مع غزة حساب مختلف وبرنامج مختلف، فحجم ونسبة ما قتلت في إيران ولبنان يشي بأنها تخوض حروباً طبيعية، لكن حجم ما قتلت في غزة لا يدع مجالاً للشك بأنه كان لديها سبق إصرار وترصُّد بارتكاب إبادة جماعية لم يستطع العالم وقفها ليدفع المساكين في غزة ثمن فاشية إسرائيل وطيش حماس السياسي، ويخشى الغزيون أن تستمر تلك المعادلة لأن أطرافاً ثرثارة في حكومة نتنياهو يسقط منها حديث عن مشروع ترحيل الغزيين وتطهير غزة وتصحيرها مع مشاريع ريفيرا غزة، وحروب الغاز ومصادر الطاقة وإقامة مستوطنات وترافق هذا مع مزيد من العذاب بعد مرور ما يقرب من نصف عام على وقف الحرب لا يحتاج كثيراً من التفسير.