اليوم الثاني والعشرون للحرب.. البحث عن مخرجٍ من الحرب وسط معركة استنزاف مفتوحة
نشر بتاريخ: 2026/03/22 (آخر تحديث: 2026/03/22 الساعة: 17:52)

 

مع دخول الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران يومها الثاني والعشرين، تكشف القراءة المتقاطعة للتحليلات العسكرية والسياسية الإسرائيلية عن صورة مركبة للحرب: تفوق عسكري واضح من جهة، وعجز متزايد عن تحقيق حسم سياسي أو استراتيجي من جهة أخرى. فالحملة الجوية الواسعة التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل داخل إيران ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، لكنها في الوقت نفسه كشفت حدود القوة العسكرية عندما تتحول الحرب إلى مواجهة طويلة متعددة الجبهات.

 

تواصل إسرائيل والولايات المتحدة ضرب أهداف في وسط وغرب إيران، مع التركيز على قواعد إطلاق الصواريخ ومنشآت إنتاجها، وأنظمة الدفاع الجوي، ومواقع الحرس الثوري والباسيج. وتشير التقديرات إلى أن آلاف الطلعات الجوية نُفذت منذ بداية الحرب، في إطار محاولة منهجية لتقويض البنية العسكرية الإيرانية وإبطاء قدرتها على إطلاق الصواريخ أو إعادة بناء قدراتها.

 

ومع ذلك، فإن هذه الضربات، رغم كثافتها، لم تنجح حتى الآن في إنهاء التهديد الصاروخي الإيراني. فمعدل إطلاق الصواريخ بات منخفضاً نسبياً مقارنة بالأيام الأولى للحرب، لكنه ما زال مستمراً بوتيرة يومية تتراوح بين عدد محدود من الصواريخ في كل رشقة. وتشير التقديرات إلى أن لدى إيران ما بين 1500 و2000 صاروخ متبقٍ من أصل ترسانة أكبر كانت قبل الحرب، ما يعني أن القدرة على مواصلة القصف قد تستمر لفترة طويلة.

 

وتظهر القراءة الإسرائيلية أن إيران تتبع تكتيكاً يقوم على اختيار أهداف مختلفة بشكل يومي بحثاً عن نقاط ضعف في الدفاعات الجوية الإسرائيلية. ففي بعض الأيام تتركز الضربات على وسط البلاد، وفي أيام أخرى على القدس أو الجنوب، كما حدث في الضربات الأخيرة التي استهدفت ديمونا وعراد، والتي جاءت وفق الرواية الإيرانية رداً على الهجوم الأميركي على منشأة نطنز النووية.

 

وفي هذا السياق، أثارت الضربات التي استهدفت جنوب إسرائيل، وخصوصاً في محيط ديمونا ومدينة عراد، تساؤلات داخل إسرائيل حول حجم الأضرار الحقيقي وطبيعة الأهداف التي كانت مقصودة. فالرواية الرسمية تحدثت عن صاروخين لم يتم اعتراضهما تسببا بأضرار كبيرة وإصابة عشرات الأشخاص، لكن محدودية التفاصيل التي نُشرت في الساعات الأولى غذّت تقديرات بأن المؤسسة العسكرية تتعامل بحذر إعلامي مع الحادثة، خصوصاً بسبب حساسية المنطقة القريبة من مفاعل ديمونا النووي. وفي مثل هذه الحالات تميل إسرائيل عادة إلى تقليل حجم المعلومات المنشورة، سواء لتجنب الكشف عن ثغرات في منظومات الدفاع الجوي أو لمنع تضخيم التأثير النفسي للضربات على الجبهة الداخلية. ولذلك يرى بعض المراقبين أن ما جرى في ديمونا وعراد قد يكون أكثر تعقيداً مما عكسه الخطاب الرسمي، حتى لو لم يكن هناك دليل قاطع على إصابة منشآت استراتيجية بشكل مباشر.

 

وتكشف هذه الضربات أيضاً عن حدود منظومات الدفاع الجوي، التي تعتمد في النهاية على احتمالات إحصائية. ففي الحالات التي تفشل فيها الصواريخ الاعتراضية، يمكن أن تسبب الرؤوس الحربية الثقيلة أضراراً واسعة حتى إن لم تصب المباني مباشرة، كما حدث عندما وقعت الانفجارات بين المباني وتسببت موجات الضغط بتدمير الواجهات والجدران وإصابة عشرات الأشخاص.

 

لكن الجبهة العسكرية للحرب لا تقتصر على إسرائيل وإيران فقط. فالتصعيد الإقليمي يتسع تدريجياً، مع استمرار الاشتباكات في جنوب لبنان وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه شمال إسرائيل، بالتوازي مع توسع العمليات البرية الإسرائيلية تدريجياً في بعض المناطق الحدودية. ورغم أن المواجهات المباشرة على الأرض لا تزال محدودة نسبياً، فإن استمرار إطلاق الصواريخ بمعدل يومي يشكل تهديداً دائماً للجبهة الداخلية الإسرائيلية.

 

وفي موازاة ذلك، تستمر الولايات المتحدة في استهداف البنية العسكرية الإيرانية، خصوصاً منشآت الصواريخ والمواقع الساحلية والزوارق السريعة ومستودعات الذخيرة. كما تم استهداف منشأة نووية في منشأة نطنز النووية، في خطوة تعكس استمرار التركيز على البرنامج النووي الإيراني كهدف مركزي للحرب.

 

غير أن الحرب لا تُحسم في السماء فقط. فإحدى أبرز نقاط الضغط الإيرانية تبقى في مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً للطاقة العالمية. وعلى الرغم من التفوق العسكري الأميركي، فإن السيطرة الإيرانية غير المباشرة على حركة النفط العالمية تمنح طهران قدرة تأثير كبيرة في مسار الحرب، خصوصاً مع تعطل حركة مئات ناقلات النفط وانخفاض حركة المرور عبره بشكل كبير.

 

ولهذا السبب تبدو الإدارة الأميركية في مرحلة البحث عن مخرج من الحرب، رغم استمرار العمليات العسكرية. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يحتاج إلى إنجازات إضافية قبل الإعلان عن تقليص العمليات، من أجل إظهار أن الحرب انتهت بصورة تؤكد التفوق الأميركي. لكن في الوقت نفسه، كلما طال أمد الحرب، تظهر أيضاً حدود القوة العسكرية الأميركية، سواء في حجم الموارد المطلوبة أو في تداعيات الحرب الاقتصادية والسياسية.

 

ومن المؤشرات اللافتة في الأيام الأخيرة إطلاق صاروخين باليستيين باتجاه القاعدة الأميركية في جزيرة دييغو غارسيا على مسافة تقارب أربعة آلاف كيلومتر من إيران. وحتى لو لم يصب الصاروخان الهدف، فإن مجرد إطلاقهما يشير إلى أن مدى الصواريخ الإيرانية قد يكون أكبر مما كان يعتقد سابقاً، وهو أمر يعيد فتح النقاش حول التهديد الصاروخي الإيراني خارج الشرق الأوسط.

 

وفي الوقت نفسه، تتواصل التحركات العسكرية الأميركية في المنطقة، مع إرسال مزيد من القوات البحرية والبرية إلى الخليج، في مؤشر على أن الحرب قد تستمر لأسابيع إضافية على الأقل. فالتخطيط العسكري الحالي يفترض أن الحملة لم تصل بعد إلى نهايتها، وأن هناك أهدافاً إضافية يجري العمل على استهدافها داخل إيران.

 

لكن رغم ذلك كله، فإن الصورة الاستراتيجية للحرب لا تزال غير محسومة. فإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية قد يتحقق جزئياً، لكنه لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية للحرب. كما أن بقاء النظام الإيراني، حتى بعد الضربات التي تعرض له، قد يدفعه إلى محاولة إعادة بناء قوته العسكرية والسعي بقوة أكبر إلى امتلاك سلاح نووي باعتباره ضمانة للبقاء.

 

وهكذا تبدو الحرب، بعد ثلاثة أسابيع تقريباً من اندلاعها، أقرب إلى حرب استنزاف طويلة منها إلى حرب حسم سريع. فالولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان تفوقاً عسكرياً واضحاً، لكن إيران ما زالت قادرة على مواصلة القتال وإحداث تأثير إقليمي واقتصادي واسع. وفي مثل هذا النوع من الحروب، لا يكون السؤال فقط من يملك القوة الأكبر، بل من يستطيع الصمود لفترة أطول.

 

وفي خضم هذا المشهد، تتقاطع ثلاثة مسارات رئيسية قد تحدد اتجاه الحرب في المرحلة المقبلة. الأول هو مسار الاستنزاف العسكري، حيث تسعى إسرائيل والولايات المتحدة إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية إلى أقصى حد ممكن، في حين تحاول إيران إطالة أمد الحرب واستنزاف خصومها. والثاني هو مسار الطاقة، حيث يشكل مضيق هرمز ورقة ضغط مركزية في الصراع، لما يمثله من أهمية حيوية لسوق النفط العالمي. أما المسار الثالث فهو المسار السياسي، حيث تبدو واشنطن، بقيادة دونالد ترامب، في مرحلة البحث عن صيغة لإنهاء الحرب من دون أن تبدو وكأنها تراجعت تحت الضغط. وبين هذه المسارات الثلاثة، يبقى مستقبل الحرب مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتراوح بين تسوية صعبة وبين استمرار مواجهة استنزاف قد تطول أكثر مما كان يتوقعه جميع الأطراف في بدايتها.