نهاية الحرب، و«السلاح الأخير»!
نشر بتاريخ: 2026/03/19 (آخر تحديث: 2026/03/19 الساعة: 17:30)

لا أقصد بالسلاح الأخير على الأقلّ عند هذه الدرجة من تطوّر أحداث هذه الحرب السلاح النووي، وإنّما أقصد المحاولات المحمومة لاستعادة بعث واستنفار السلاح المذهبي الشامل في كامل الإقليم.

وللإشارة السريعة فقط فإن السلاح النووي الذي [لا يجب بأيّ حالٍ من الأحوال استبعاد اللجوء إليه كلّياً] لا يضمن «البقاء» بسبب الغموض النووي الإيراني من جهة، وبسبب أن استخدامه على شاكلةٍ ما، وبدرجة ما لا يضمن عدم اتساع رقعة هذا الاستخدام، ولا يضمن إلى الأبد عدم المسارعة إلى امتلاكه.

لذلك دعونا نحاول شرح العلاقة ما بين تذكية السُّعار المذهبي كسلاح وما بين انتهاء الحرب، وليس فقط مجرّد وقفها.

أزعم بأن هذه الحرب ستتحوّل عمّا قريب إلى حرب عبثية، وربما يائسة، أيضاً، من زاوية أهدافها الصهيوأميركية من كل الزوايا.

فلا النظام سقط، ولا تزعزع، ولم يفقد لا قدراته ولا مقدّراته، والخسارات التي مُني بها والخسائر التي تبدو باهظة فعلاً لا تغيّر شيئاً جوهرياً واحداً في قائمة هذه الأهداف، كما أن سقوط الرهانات والمراهنات على انتفاضة شعبية ضد النظام، أو قوات «انفصالية» في المنطقة الكردية من إيران تبدّدت تماماً، وسياسة «قطع الرؤوس» لا تبدو أنها «ستنجز» المهمّة إن لم يكن العكس هو الصحيح.

وإذا ما استمرت الحرب على وتيرتها بدرجة أعلى قليلاً، أو أقلّ قليلاً فإنها ستتحوّل إلى حرب عبثية وخاسرة بقدر ما يتعلّق الأمر بالأهداف الأمروإسرائيلية، وإلى حرب رابحة بالمقارنة مع الأهداف والطموحات الإيرانية بقدر ما تمتدّ وتستمر، وبقدر انكشاف عبثيتها على الجانب الآخر.

ويبدو أن عامل عبثية هذه الحرب يتضخّم يوماً بعد يوم بفعل الضغوطات المتزايدة على رئيس أميركا دونالد ترامب داخلياً، وبفعل احتمالات متزايدة بأن يبدأ المجتمع الإسرائيلي نفسه بالتساؤل عن جدوى استمرارها ما دامت الأهداف لم تتحقق بالسرعة والكيفية التي جرى الترويج لها، وما دامت الردود الإيرانية «تتراجع» بالقدر الذي تتراجع به القدرات الإسرائيلية على صدّ هذه الردود، وما دامت الدفاعات الجوية الإسرائيلية لم تعد قادرة على منع الصواريخ الإيرانية الجديدة من استباحة سبع مدن إسرائيلية دفعة واحدة في ليلة الرد الإيراني على اغتيال علي لاريجاني!؟

هنا تبرز معادلة «طول النفس» كسيفٍ مسلّط على الحلف الصهيوني مع الإدارة الأميركية، «وليس مع أميركا نفسها أو كلّها بعد الآن»، ويتحوّل طول النفس الإيراني إلى إستراتيجية مجابهة ناجعة.

ماذا تبقّى من أسلحة يمكن لها أن تغيّر مسار هذه الحرب؟ وهل بالإمكان أن تتحوّل هذه الأسلحة إلى معاول حقيقية لهذا التغيير؟ أم أنها تنطوي على اعتبارات أخرى قد تنذر بارتدادات عكسية؟

السلاح الأوّل هو سلاح الاغتيالات. هو سلاح فتّاك فعلاً، ومؤثّر، وفعّال للغاية في مردوده الميداني، ومردوده المعنوي وبصورة مضاعفة، ولا يمكن، ولا تتوفر لدى إيران، ولا لدى حلفائها مجاراة الثنائي الصهيوأميركي، ولا مجال سوى لمزيد من الاحتياطات، والردّ الوحيد الممكن عليه، هو في بأس وقوة الردّ عليه، وهذه هي الإمكانية الوحيدة لتحويله إلى كلفة باهظة.

السلاح الثاني هو محاولات أعمال عسكرية جراحية برّية قد تبدأ بإنزالات متفرّقة هنا وهناك لغايات «الاستعراض» من جهة، ولجسّ نبض القدرة الإيرانية على الردّ، والتصدي، ولفحص إمكانيات التوسع من جهة أخرى.

لا يمكن الاستهانة بهذا السلاح، وخصوصاً إذا ما ترافق مع عمليات منسّقة مع عناصر «نائمة» في مناطق التدخّل والإنزال، ولكن هذا السلاح بالذات سيتحول إلى ضغط هائل على ترامب في أولى «بشائر» فشله، وسيضعه في مواجهة مباشرة مع دائرته الضيّقة، وسيتحول إلى عنصر كسر عظم مع المجتمع الأميركي بأغلبيته في حال حاول ترامب التوغّل فيه.

السلاح الثالث، هو سلاح زجّ بلدان الخليج العربي بالاشتراك المباشر في الحرب، بهدف استخدام هذه المشاركة «كمخرج» من الحرب في حالة إن تردّت الأوضاع الميدانية، وبهدف التعويض عن حالة العزلة القاتلة التي تعاني منها الإدارة الأميركية بعد أن رفض العالم عن بكرة أبيه التورّط معه في حرب ليس له ــ أي العالم ــ لا ناقة ولا بعير، ولا حتى مجرّد فرخة أو صوص.

لكن هذا السلاح يبدو صعب المنال لما له من أخطار قد تتحوّل إلى النوع الوجودي بالنسبة لبعض بلدان الخليج العربي، وإلى حرب مصيرية بالنسبة للبلدان الكبيرة والوازنة فيه.

هذا السلاح لن يقدم شيئاً نوعياً في مجريات هذه الحرب، إن لم نقل إن الشيء النوعي الوحيد هو المغامرة بأن تُقدِم إيران على تدمير كلّي ونهائي وحاسم لكل مصادر الطاقة في الخليج العربي كله، وهو الأمر الذي يعني أن هذه الحرب ستتحوّل إلى حرب عبثية طابعها الأكبر هو الجنون، وأهدافها أخطر على أميركا، وعلى العالم من أي أخطار أخرى، ويصبح السقوط المباشر لاقتصاديات العالم واقعاً لا مخرج منه، ولا سبيل إلى منعه.

وفي ظنّي أن «كمون» جماعة «أنصار الله» «الحوثيين» اليمنية ليس سوى ورقة الاحتياط الكبرى في إطار الإستراتيجية الإيرانية على هذا الصعيد. فماذا تبقّى لهم إذاً؟

لا أرى سوى سلاح شحذ «الهمّة» المذهبية.

نعم، لم يتبقّ لخلط الأوراق في كامل الإقليم سوى اللجوء إلى هذا السلاح بقدر ما هو ممكن، وما هو متاح قبل أن «يفوت» الأوان، وقبل أن يصبح مستحيلاً، وقبل أن يصدأ في أيدي وعقول أنذال الأمّة وجهلتها، وقبل أن يجرف السيل كل ما راهنوا على مدى عقود كاملة بأنه مبرّر وجودهم، وغايتهم وأهدافهم الملوّثة بجراثيم المذهبية والطائفية البغيضة.

في نطاق التحليل أُخمّن أن أوساطاً معيّنة في سورية، وقد يكون عمادها من جماعات أجنبية تعدّ نفسها للتدخّل في شرق لبنان لمواجهة «حزب الله» بهدف إرباكه في معركته الحالية الدائرة، وقد يتمّ افتعال «أزمة» مدوّية للتغطية على تدخّل من هذا القبيل، وفي محاولة إبعاد «الشُبهة» عن التعاون المباشر مع التحالف الصهيوأميركي، وإسناده ضد الحزب، وضد إيران.

وقد يصل الأمر إلى محاولة تجييش «سُنّة» طرابلس وزجّهم في أتون هذه المعركة، ولا يُستبعد في هذه الحالة مطلقاً أن «ينبري» «سُنّة» لبنان، الذين بات بعضهم يتمنّى أن تصل الأمور إلى هذا الحدّ بدخول هذا النفق الخطير، وذلك اعتقاداً منهم بوهم أن من شأن ذلك أن «يحسم» المعركة في لبنان في المستقبل القريب المرتقب، خصوصاً بعد أن «شعروا» بأن الحزب، وكل من «ناصره ووالاه» سيذهبون في معركة الدفاع عن وجودهم المهدّد جهاراً نهاراً إلى أبعد مدى ممكن في الدفاع عن هذا الوجود، وأنهم ــ أي الحزب وأنصاره ــ لن يخضعوا بعد اليوم لابتزازات «سيادة الدولة» التي تعني أوّلاً وأخيراً سلاح الحزب، بل ووجوده من حيث المبدأ.

ويأمل أصحاب مشروع الانخراط أن يؤدّي مثل هذا الأخير إلى حرب مذهبية تمتدّ إلى العراق، وقد تمتدّ إلى بعض بلدان الخليج العربي، وقد يصل لهيبها إلى باكستان، وقد يتمرّد من خلال تفاعلاتها غالبية «الشيعة» في أذربيجان، وقد يشتعل الشرق الأوسط كلّه ليس في مواجهة قوى العدوان والبغي، وأصحاب مشروع الهيمنة العالمية، ومشروع «الشرق الأوسط الجديد»، ومشروع «إسرائيل الكبرى»، وإنّما في مواجهة «السُنّة» بـ»الشيعة»، في مشهد معقّد ستتداخل من خلاله الأعراق بالسياسة، والمذاهب بالطوائف، والعمالة والخيانة بالمواقف القومية الوطنية.

وفي نطاق المعلومات، إضافة إلى التحليل نلاحظ مؤشّرات قادمة من سورية ولبنان، وأخرى من العراق، والمزيد منها قادم من المناطق الكردية كلّها، وهناك وشوشات بتنا نسمعها من أوساط تركية مستعدّة للتورّط في هذا السلاح الخطير.

في مقالات قادمة سنحاول توضيح أهمية مجابهة هذا الخطر دون أيّ تردّد، ودون أيّ إبطاء من جانب إيران وحلفائها أوّلاً، ومن جانب الدولة الوطنية الحقيقية في الخليج العربي، ومن جانب كلّ وطني وقومي وتقدّمي أصيل وشريف. معوّلين أساساً على أن الصمود سيكسر هذه المعادلة الشرّيرة.