هل تكسر الاغتيالات النظام الإيراني أم تطيل الحرب؟
نشر بتاريخ: 2026/03/18 (آخر تحديث: 2026/03/18 الساعة: 22:58)

مع تصاعد الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، تركز الخطاب الإسرائيلي في الأيام الأخيرة على ما تصفه القيادة السياسية بـ”الإنجازات التاريخية”، وفي مقدمتها سلسلة الاغتيالات التي استهدفت شخصيات بارزة في النظام الإيراني. ومن بين أبرز هؤلاء علي لاريجاني، أحد رموز المؤسسة الحاكمة، إضافة إلى قادة في قوات الباسيج ومسؤولين أمنيين وعسكريين آخرين.

غير أن القراءة المتأنية للتحليلات العسكرية الإسرائيلية، كما ظهرت في صحيفة هآرتس على لسان محللها العسكري عاموس هرئيل، تكشف صورة أكثر تعقيداً بكثير من رواية “الانتصار السريع”. فبرغم الاعتراف بأن الاغتيالات تمثل نجاحاً استخبارياً وعملياتياً لإسرائيل، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه بعض المحللين الإسرائيليين هو: هل يمكن لمثل هذه العمليات أن تكسر النظام الإيراني فعلاً، أم أنها مجرد خطوة ضمن حرب استنزاف طويلة؟

تاريخ الصراعات الحديثة يبيّن أن اغتيال القيادات قد يربك الأنظمة أو التنظيمات لفترة، لكنه نادراً ما يؤدي إلى انهيارها الكامل. وهذا ما يلمّح إليه هرئيل بوضوح عندما يشير إلى أن النظام الإيراني ليس تنظيماً هرمياً بسيطاً يمكن شلّه بضربة رأس القيادة، بل هو منظومة دولة أمنية معقدة نشأت وتطورت منذ الثورة الإسلامية عام 1979.

صحيح أن اغتيال شخصيات مثل علي خامنئي – وفق الرواية الإسرائيلية – أو تصفية عدد كبير من كبار المسؤولين قد يخلق فراغاً مؤقتاً في القيادة، لكن طبيعة النظام الإيراني تقوم على شبكة واسعة من المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية القادرة على تعويض القيادات بسرعة. ولذلك فإن كل مسؤول يُقتل غالباً ما يُستبدل بآخر، وأحياناً ببديل لبديله، في محاولة للحفاظ على استمرارية الدولة.

مع ذلك، لا ينكر التحليل الإسرائيلي أن كثافة الضربات والاغتيالات قد تترك أثراً تراكمياً مع مرور الوقت. فخسارة عدد كبير من القيادات المخضرمة تعني أن الجيل الجديد من المسؤولين سيضطر إلى إدارة حرب معقدة في ظل ضغط عسكري هائل من الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي هذا السياق برز اسم مجتبى خامنئي، الذي يُنظر إليه داخل إيران وخارجها بوصفه أحد المرشحين لخلافة والده. غير أن الجدل حول كفاءته السياسية والعسكرية يعكس حالة من عدم اليقين داخل النخبة الحاكمة، وهو ما تراهن عليه إسرائيل جزئياً في استراتيجيتها الحالية.

لكن هذا الرهان يبقى محفوفاً بالمخاطر، لأن الأنظمة التي بُنيت على أسس أمنية صلبة غالباً ما تمتلك قدرة عالية على التكيّف مع الأزمات، بل إن الضغوط الخارجية قد تدفعها أحياناً إلى مزيد من التماسك الداخلي بدلاً من الانهيار.

الضربات الجوية المتكررة داخل إيران، واستهداف منصات الصواريخ الباليستية ومنظومات الدفاع الجوي، تشير إلى أن الهدف الإسرائيلي–الأميركي لا يقتصر على إضعاف القيادة السياسية، بل يمتد إلى تقويض البنية العسكرية الإيرانية على المدى الطويل.

لكن هذه الاستراتيجية تعني أيضاً أن الحرب قد تتحول إلى صراع استنزاف مفتوح، حيث لا يتم الحسم عبر ضربة واحدة حاسمة، بل عبر تراكم الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية بمرور الوقت.

وفي هذا الإطار تراهن واشنطن، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، على أن الضغط العسكري والاقتصادي قد يؤدي في نهاية المطاف إلى اضطرابات داخلية في إيران. إلا أن المؤشرات المتاحة حتى الآن لا تدل على اندلاع انتفاضة شعبية واسعة، رغم حالة الغضب التي خلفها القمع العنيف للاحتجاجات في الأشهر الماضية.

في المقابل، تشير التطورات الميدانية إلى أن محور إيران الإقليمي لم ينهَر كما كان يأمل بعض صناع القرار في إسرائيل. فقد أظهر حزب الله قدرة على مواصلة إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان حتى أثناء احتدام الحرب، ما يدل على استمرار التنسيق العملياتي داخل ما يُعرف بمحور المقاومة.

وهذا يعني أن المواجهة الحالية لا تقتصر على ساحة واحدة، بل تمتد عبر شبكة من الجبهات الإقليمية، الأمر الذي يزيد من تعقيد حسابات الحرب ويجعل احتمالات الحسم السريع أقل واقعية.

ربما تكمن المفارقة الأكبر في أن الحرب الدائرة لا تبدو مجرد مواجهة مباشرة مع إيران، بل تحولت تدريجياً إلى فرصة لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي في المنطقة. فالتطورات في جنوب لبنان، والتحركات العسكرية في سوريا، والسيطرة الواسعة في قطاع غزة، إضافة إلى تسارع الاستيطان والتهجير في الضفة الغربية، تشير إلى أن الحرب تُستَخدم أيضاً لفرض وقائع جديدة على الأرض.

وهكذا، بينما يجري الاحتفاء في بعض الخطابات السياسية بسلسلة الاغتيالات باعتبارها خطوة نحو “إسقاط النظام الإيراني”، فإن قراءة أكثر برودة تشير إلى احتمال مختلف: أن هذه العمليات قد لا تكسر النظام بقدر ما تدفع المنطقة نحو حرب أطول وأكثر تعقيداً.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال المطروح اليوم داخل إسرائيل نفسها قبل غيرها: هل يمكن لسلسلة الاغتيالات أن تحسم حرباً بهذا الحجم، أم أنها مجرد فصل من فصول صراع إقليمي طويل؟

حتى الآن، يبدو أن الواقع يميل إلى الاحتمال الثاني. فالأنظمة قد تضعف، لكنها نادراً ما تسقط بضربة واحدة. أما الحروب التي تبدأ باعتبارها عمليات جراحية دقيقة، فكثيراً ما تنتهي إلى صراعات استنزاف مفتوحة، تعيد تشكيل المنطقة بطرق لم تكن في الحسبان.