هل تسقط الأوراق الأمريكية في الخريف الإيراني؟
نشر بتاريخ: 2026/03/13 (آخر تحديث: 2026/03/13 الساعة: 14:30)

ليست الحروب مجرد صدام عسكري بين الجيوش، بل هي في جوهرها صراع إرادات ومعادلات سياسية معقدة. لذلك قد تحقق الولايات المتحدة تقدماً عسكرياً في أي مواجهة محتملة مع إيران، غير أن هذا التقدم لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية التي تسعى إليها واشنطن.

فالتاريخ الحديث يقدّم دروساً قاسية في هذا المجال؛ إذ يثبت أن الانتصار العسكري لا يتحول تلقائياً إلى انتصار سياسي. وتجربة الحرب الأمريكية في فيتنام مثال صارخ على ذلك، حيث امتلكت الولايات المتحدة التفوق العسكري والتكنولوجي، لكنها عجزت عن كسر إرادة الخصم أو فرض واقع سياسي دائم يخدم مصالحها.

اليوم، تبدو إيران أمام تحديات داخلية معقدة، أبرزها الضغوط الاقتصادية والأوضاع المعيشية الصعبة التي يواجهها المواطن الإيراني. غير أن هذه المعاناة قد لا تتحول بالضرورة إلى حراك سياسي واسع؛ فالجائع في زمن الحرب غالباً ما ينشغل بتأمين لقمة العيش أكثر من انشغاله بالشعارات السياسية. فالخوف والجوع حين يجتمعان يخلقان صدمة نفسية تدفع الإنسان إلى البحث عن النجاة قبل التفكير في التغيير.

من هنا تبدو الرهانات على انفجار داخلي سريع في إيران رهانات غير مضمونة النتائج. فالدولة الإيرانية، رغم ما تعانيه من أزمات وضغوط، ما زالت تبدو كقلعة سياسية وأمنية صلبة، قادرة على امتصاص الصدمات وإدارة الأزمات، حتى وإن تعرضت أحياناً لاختراقات سيبرانية أو ضغوط في ميدان الحرب الهجينة.

وفي هذا السياق، يمكن استحضار تجربة الثورة الفيتنامية التي أثبتت أن الشعوب حين تشعر بأن وجودها مهدد، تتحول المعركة بالنسبة لها إلى معركة بقاء، لا مجرد صراع سياسي. آنذاك لم تنتصر فيتنام بالقوة العسكرية وحدها، بل بقوة الإرادة والصبر الاستراتيجي، وهي عناصر كثيراً ما تتجاهلها الحسابات العسكرية التقليدية.

إن الحرب الحديثة لم تعد تُخاض بالمدافع والصواريخ فقط، بل أيضاً بالعقوبات الاقتصادية، والحروب السيبرانية، وحملات التأثير الإعلامي والنفسي. ولهذا فإن المواجهة مع إيران، إن اتسعت، لن تكون عسكرية فحسب، بل ستكون حرباً مركبة تتداخل فيها الأدوات العسكرية مع أدوات الضغط السياسي والاقتصادي.

لكن السؤال الأعمق يبقى معلقاً في فضاء السياسة الدولية:

هل تصمد إيران أمام حرب مزدوجة، عسكرية وهجينة؟

وهل تسقط الأوراق الأمريكية في الخريف الإيراني؟

وفي خضم هذه الأسئلة المقلقة، يبقى الشرق الأوسط عالقاً بين فصول متناقضة من التاريخ؛ فهل يبقى ما سُمّي بالربيع العربي ربيعاً، أم أنه تحول إلى فصول من الشتاء الطويل؟

لعل الشعوب في هذه المنطقة المرهقة بالحروب لا تبحث عن انتصار لهذا الطرف أو ذاك، بقدر ما تبحث عن نهاية الشتاء القاسي، وعن صيف هادئ بعيد عن هدير الطائرات وصوت القذائف…

صيفٍ قد يحمل، أخيراً، حلم السلام القادم.