نتنياهو.. الولد الذي أحرق الحي!
نشر بتاريخ: 2026/03/03 (آخر تحديث: 2026/03/03 الساعة: 22:41)

تعود الذاكرة لثلاثة عقود في العام 1996، ذلك الصباح الذي أفاق فيه العالم على فوز رئيس الوزراء الأصغر في تاريخ إسرائيل، بعد أن نام الجميع على فوز أحد المؤسسين التاريخيين، شمعون بيرس، لم يدرك العالم حينها أن هذا سيكون فصلًا جديدًا في التاريخ، وأن هذا الشاب حينها لن يتوقف عن الحروب، وسيفرش المنطقة بالدم والدموع. وقد كان، بعد أن قاد حملة تحريض شرسة ضد شريك ياسر عرفات للسلام، اسحق رابين، ليندفع نتاج التحريض يهودي متطرف، فيقتل رابين في مهرجان للسلام كان يقام في تل أبيب.

من يستطيع إحصاء كم مرة أشعل فيها نتنياهو حروبًا في المنطقة، كان نصيب الفلسطينيين منها هو الأكبر؟ للوهلة الأولى يصعب ذلك، لكن الرجل المسكون بهاجس التاريخ و"اليهودي الطريد" صار مثل دونكيشوت، جعل من التاريخ مسرحًا لمطاردة خصومه، من خصوم واقعيين وخصوم افتراضيين جاءت بهم مخيلته الخاصة، المهم أن يستمر بالعداء كارهًا للسلام. هكذا يمكن أن يكتب في تاريخه، فبالأمس القريب أصيب بالذعر لحظة تسرب بعض أخبار عن اتفاق بين الأميركي والإيراني في جنيف، ليطير إلى واشنطن محرضًا قبل أن يشعل المنطقة ليعيش متعة الحرب.

قبل ثلاثة عقود، حين حدث التحول الأكبر، كسر نتنياهو حلم المنطقة بالاستقرار أخيرًا وأدخلها في هذا الكابوس الطويل، فقد جاء ليطوي صفحة محاولة تحقيق السلام التي كان يمكن أن تكون أساس الاستقرار في المنطقة، بإقامة الدولة الفلسطينية التي ارتضاها الفلسطينيون على جزء من فلسطين التاريخية، لو حدث ذلك لانطفأت كل المعارضات في المنطقة، ولانتهى المحور الذي قادته إيران، فماذا سيقول حزب الله؟ وكذلك ماذا سيكون خطاب إيران؟ ولو أقيمت الدولة الفلسطينية ولم تكن هناك كتائب قسام ولا أذرع عسكرية فلا سلاح خارج الدولة، لكن نتنياهو قطع الطريق على كل هذا ليجني كل تلك النتائج، ولا حل كما يعتقد إلا بإحراق المنطقة.

قبل حوالي عقد ونصف استهوته لعبة أخرى، بطرد السلطة من غزة وإبقاء حماس حاكما لتلك المنطقة. وفي لحظة، يتوافق فيها مع عاصمة عربية ليمول حماس بثلاثين مليون دولار شهريًا، كانت نتيجة تلك اللعبة السابع من أكتوبر، وإدخال الفلسطينيين والإسرائيليين في لعبة موت مستمرة حتى اللحظة... هذا هو نتنياهو مشعل الحروب بألعابه الخطرة، والمشكلة في الولايات المتحدة التي تغطي تلك الألعاب، بل تنفذها معه.

لعبته هذه المرة أشد خطورة، وأكثر اتساعًا، فقد كان يمكن تحييد إيران بالسلام، لكنه لعقود ثلاثة لم يدخر جهدًا لتهيئة المنطقة للحرب، لنجد الولايات المتحدة تطالب رعاياها بمغادرة خمسة عشر بلدًا. هذا في المنطقة، أما تداعيات الحرب على أوروبا وأزمة الاقتصاد العالمي فهي على الطريق، ولا أحد يعرف كم ستستمر هذه الحرب التي يأمل الجميع أن تنتهي سريعًا، قبل أن تتسع الندوب التي تركتها على جسد المنطقة، بما ترتكبه أطرافها من مغامرات يدفع العرب ثمنها.

الحرب العالمية الأولى جاءت بعد اغتيال ولي عهد النمسا وزوجته في سراييفو على يد قومي صربي، لتعلن فيينا الحرب على صربيا وهي تعتقد أنها تخرج لجولة انتقام لأيام، لتستمر الحرب أربع سنوات تحترق فيها أوروبا. كذلك الحرب العالمية الثانية، اعتقد هتلر أنه يستعيد إقليم سوديت وتنتهي الحرب، أما قوات الحلفاء فاعتقدت ربما أن الحرب ستستمر عدة أشهر، قبل أن تكتشف أنها احتاجت لخمس سنوات تنتهي بسحق عواصم أوروبا وقنبلتين نوويتين على اليابان. أما الحرب الروسية الأوكرانية فقد اعتقد بوتين أن الأمر لن يأخذ أكثر من عدة أسابيع بسيطة، وها هي تدخل منذ أسبوع عامها الخامس، ولا يبدو بعد أن طاولات التفاوض أحدثت تلك الاختراقات.

كم ستستمر حرب نتنياهو الأخيرة؟ هذا هو السؤال الذي تتلهف العواصم للإجابة عليه، سواء العربية التي وجدت نفسها بين النيران في وضع شديد الحرج، لا هي حربها لتلتحق بها، ولا تقبل أن تتم استباحة عواصمها بهذا الشكل من قبل إيران. أما أوروبا التي تعاني أزمة الطاقة والاقتصاد منذ الحرب الروسية الأوكرانية، وما أحدثته من تحولات اجتماعية لصالح صعود قوى قومية شديدة التطرف تجيء بها صناديق الإقتراع، فإن ضربة اقتصادية ثانية ستحدث كارثة في تلك القارة التي لم تعد تعرف كيف تتلقى الضربات بعد الجمارك الأميركية والضغط الروسي، فيأتي نقص إمدادات الطاقة من الخليج؟

كتلة النار الملتهبة هي حلم حياة بنيامين نتنياهو أن يرى المنطقة تحترق، فهو يعتبر أنه أحد رجال التاريخ الذي أرسل لإمساك الكرة الأرضية من قرنيها، ليعيد لها التوازن من خلال إحراق خصومه، وتلك تتعلق بأبحاث نفسية أجرتها المخابرات الإسرائيلية مرتين عن بنيامين نتنياهو، أولها حين جاء في التسعينات لمعرفة توازنه النفسي، قبل أن تكون النتيجة أنه يعاني من أزمة تضخيم الذات وتصورات مضخمة وأزمة ثقة بالآخرين واحتقار الغير، حتى الشركاء، ما يعني أن مريضًا هو من يحرك تاريخ المنطقة، حينها لا نستغرب من تلك النتائج، فالنار هي الشيء الوحيد الذي نحصده.. هكذا فعل كل مجانين التاريخ.

أحد شيفرات فك لغز نتنياهو، أن تنقل يديعوت أحرونوت عن مسؤولين كبار من حزب الليكود بأن "نتنياهو يعتزم تقديم الانتخابات إلى شهر يونيو في حال نجاح الحرب ضد إيران".. هكذا يمكن فهم الأمر، فقد عارك الجميع غزة، الضفة، لبنان، إيران العام الماضي. لكن عندما لم تغير تلك في أسهمه في الاستطلاعات، ولا توفر له ما يكفي لتشكيل الحكومة، كان لا بد من حرب كبرى يذهب بها للانتخابات، وكان عنوانها رأس المرشد وإسقاط النظام الإيراني، وبغض النظر من سيحترق من النار التي أشعلها، المهم أن يفوز.... هكذا هو الأمر: "الولد الذي أحرق الحي من أجل مصلحته".

نقلا عن الغد