نتنياهو هو «عقب آخيل» أميركا وإسرائيل
نشر بتاريخ: 2026/03/03 (آخر تحديث: 2026/03/03 الساعة: 18:06)

تشير تقديرات المحللين السياسيين الإستراتيجيين إلى أن العالم، وفي المركز منه الشرق الأوسط، سيعيش عشرية قادمة في حالة عدم استقرار، وذلك على خلفية ما يتعرض له النظام العالمي الأميركي الحالي من اهتزاز يشير إلى أنه في طريقه للانتقال إلى نظام عالمي آخر، لا أحد يمكنه أن يؤكد شكله أو طبيعته التي سيكون عليها، وذلك ارتباطاً بمآل ونتيجة الصراع الدائر حالياً، والذي سيستمر على الأغلب خلال السنين القادمة، بشكل تصاعدي على الأرجح، بمعنى أن الصراع الاقتصادي سيبقى قائماً، في أكثر من مجال، مترافقاً بدرجة أو بأخرى بتسخين عسكري، لا يمكن تكهن المدى الذي سيصل إليه، بالنظر إلى ما هو موجود على الأرض وفي السماء من أسلحة متعددة، النووي منها يمكن لبعضه أن يدمر الكرة الأرضية بالكامل، حيث توجد أكثر من عشرة آلاف قنبلة نووية بيد إحدى عشرة دولة في العالم.

ما كان يتنبأ به إذاً بعض القادة ذوي النظرة بعيدة المدى، وما كان يبدو قبل ثلاثة عقود أشبه بالأمنيات، بات اليوم أمراً مجمعاً عليه، وهو أن النظام العالمي الأميركي أحادي القطبية الذي ظهر بعد الحرب الباردة يتهاوى، ما يثير حنق أميركا التي عاشت أكثر من ثلاثة عقود على وقع كونها الزعيم الأوحد للعالم، المتحكم بقيادته، دون أن يبذل شعبها العرق والجهد لجني المال، الذي ظلت تحصل عليه من تلك المكانة، إن كان من خلال استثمار العديد من دول العالم في الاقتصاد الأميركي، أو من خلال اعتماد الدولار كعملة تحويل عالمية، أو من خلال إنتاج «الهايتك» والتكنولوجيا الحديثة، وبرامج الاتصالات، في الوقت الذي اعتمدت فيه دول مثل اليابان وألمانيا أولاً على التصنيع الكهربائي لتحقق القوة الاقتصادية، ودول أخرى على ثرواتها الطبيعية مثل النفط والغاز، ثم على ما تنتجه أيدي عمالها من سلع وما منحتها إياه الطبيعة من معادن نادرة وثمينة، باتت كذلك مع تقدم التصنيع التكنولوجي، مثل الصين بشكل خاص، والكثير من دول شرق آسيا وغيرها.

وكما يحدث دائماً يقع الصراع بين ما هو جديد وما هو قديم، لذلك فإن أميركا في محاولتها للإبقاء على النظام العالمي، الذي بات اليوم قديماً، تضع الصين في الدرجة الأولى كعدو عالمي، لذا فإنها دخلت معها في صراع اقتصادي منذ سنوات، والغريب هو أن أميركا ذات النظام السياسي الثنائي داخلياً، أي المحكوم من قبل حزبين لا ثالث لهما، قد أفصحت عن هذا خلال ولايتَي الرئيس الحالي، الشعبوي المتزمت، دونالد ترامب، الذي يرفع شعار «أميركا أولاً» وهو شعار ينطوي على مضمون عنصري، فقد بدأ ترامب منذ عام 2018 حربه الاقتصادية ضد الصين، وللصدفة أيضاً ترافق ذلك مع تنصله من اتفاق 5+1 مع إيران الذي أبرمه سلفه باراك أوباما في العالم 2015.

والأكثر غرابة أن كلا الحزبين الأميركيَّين بعد أن ناما نحو ربع قرن، ما بين مطلع تسعينيات القرن الماضي، ومنتصف العقد الثاني من الألفية الثالثة، يعتقدان أنه يمكن الحفاظ على نظامهم العالمي الحالي بضربة واحدة، وذلك من خلال القيام بعملية عسكرية هنا أو هناك، فمن يخسر التنافس في ميدان المنافسة وفق القانون العام، يخرج عن قانون التنافس الحر، مستنداً إلى ما لديه من قوة، وهكذا وجدت أميركا نفسها، أول وأسوأ من يخرج عن النظام العالمي، سواء من خلال الانسحاب من نحو 60 منظمة دولية تابعة للأمم المتحدة، أو من خلال الخروج عن القانون الدولي سواء بالنشوز مقابل الأغلبية العالمية، من خلال التصويتات في الجمعية العامة أو مجلس الأمن ضد قرارات ومشاريع قرارات عديدة، أو من خلال الاعتداء على الدول ذات السيادة وفق القانون الدولي، بالتهديد بالقوة ثم باستخدام القوة فعلاً.

وآخر الأدلة الدامغة على ذلك، كان السطو الأميركي على فنزويلا باختطاف رئيسها المدني المنتخب، وقصف إيران في حزيران العام الماضي، ثم مواصلة تهديدها وصولاً إلى قصفها مجدداً قبل ثلاثة أيام، بل والأسوأ من ذلك إعلان أهداف هذه العملية العدوانية المتمثل بإسقاط نظامها السياسي، كل هذا يحدث ضرباً بحائط الشرعية الدولية، التي وقفت أميركا طول عقود طويلة ضدها انحيازاً لدولة مارقة عالمياً وخارجة عن القانون الدولي منذ أكثر من خمسين سنة وهي إسرائيل، والغريب أن هذا الخروج الصريح عن القانون الدولي يمارسه ترامب حالياً بشكل صارخ وواضح، وباستخدام القوة العسكرية بعد أن خرج عن العرف والقانون الدولي في المجال الاقتصادي والقانوني، إن كان بإطلاق حرب التعرفة الجمركية دون الالتزام بقانون التجارة العالمي، أو من خلال شن الحرب على المحاكم الدولية لإصدارها مذكرات الاستدعاء بحق مجرم الحرب الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.

ويحدث هذا بعد أن كانت أميركا حتى في ظل نظامها العالمي أحادي القطبية تحرص على الحفاظ بهذه الدرجة أو تلك على النظام العالمي المتمثل بالأمم المتحدة ومنظماتها، فأميركا حرصت على شن الحرب على العراق عام 1991 بعد قرار من مجلس الأمن أجاز لها استخدام القوة العسكرية، وحرصت على أن تشرك معها بعض الدول في حروبها التالية، وكانت حربها في أفغانستان مفهومة دولياً بالنظر إلى إقدام تنظيم «القاعدة» الذي كان يجد له ملجأ في أفغانستان على مهاجمة برجَي مركز التجارة العالمي «التوأمين» في نيويورك، أما مهاجمة إيران والشراكة في حرب الإبادة على غزة، وحتى مواجهة الحوثي عسكرياً، فكل هذا يحدث من أجل إسرائيل، واستجابة للنفوذ الإسرائيلي في الكونغرس والبيت الأبيض، المستند إلى سطوة اللوبي الصهيوني عبر «الأيباك» على النظام الأميركي المختلط بين الرئاسي حيث صلاحيات الرئيس الواسعة، مع سلطة الكونغرس في الحد من تلك الصلاحيات فيما ينص عليه الدستور.

اليوم وبعد مرور عامين على الحرب الإسرائيلية في الشرق الأوسط، التي شاركت فيها أميركا بالدفاع عن إسرائيل سياسياً ضد كل العالم، وعبر مدها بالسلاح المتنوع من الذخيرة والدفاعات الجوية والأقمار الصناعية، إلى المشاركة العسكرية المباشرة ضد الحوثي أولاً في البحر الأحمر، ثم ضد إيران في منتصف العام الماضي، وحالياً. والآن يمكن القول: إن تحقيق النصر من قبل طرف على الآخر بالضربة القاضية هو وهم، فحتى في ظل الحروب الاستعمارية قبل الحرب الباردة كانت الدول الاستعمارية تحتل دولاً بالكامل، وبعد احتلالها كانت تواجه مقاومة أجبرتها بعد عقود على الانسحاب. كذلك يمكن القول اليوم: إن الحروب لم تعد تقتصر على أحد مركزَي القوة، الاقتصادي أو العسكري، بل على كليهما، وهذا سيدفع بالعديد من الدول التي تتمتع بقوة اقتصادية دون العسكرية أو العكس، للبحث عن مركز القوة الثاني الذي ينقصها أو تجد فيه ضعفاً، وإذا كانت الحرب بعد عامين قد أجبرت نتنياهو، وهو مشعلها إلى أن يكشف عن أهدافه الحقيقية التي تتجاوز «حماس» وإيران، إلى إعادة ترتيب الشرق الأوسط، بتشكيل محور مناوئ لكل الدول العربية والإسلامية بمحورَيها الشيعي والسني، والذهاب للتحالف مع الهند، فإن ذلك سيتسبب في اصطفافات إقليمية أخرى.

ونتنياهو الذي توافق مع التقدير الإستراتيجي بقوله: إن إسرائيل تخطط للاستغناء عن أميركا بعد عشر سنوات، يعتمد على القوة العسكرية وعلى أداة تنفيذ مخططه للسيطرة الإقليمية على الصهيونية الدينية بدلاً من الصهيونية الليبرالية التي أسست إسرائيل، وهو بإصراره على إبقاء إسرائيل في حالة عداء مع المحيط العربي/ الإسلامي، يعتبر بذلك عقب آخيل إسرائيل، وعقب آخيل أميركا بجرّه ترامب إلى الحرب في الشرق الأوسط، وذلك بعد أن خدعه أكثر من مرة، أولاً بإقناعه بأن قصف مفاعل فوردو العام الماضي يكفي لتبديد الخطر الإيراني، ثم بأن التظاهرات التي رتب لها «الموساد» الشهر الماضي ستسقط النظام، ثم الآن بأن اغتيال المرشد يؤدي إلى تحقيق هدف إسقاط النظام، مع أن إسرائيل تمارس الاغتيالات منذ ثمانين سنة، وسبق لها أن اغتالت قادة وعلماء إيرانيين، ولم تحقق ما أعلنت عنه هي من أهداف، بينما إيران نجحت في رفع نسبة التخصيب إلى 60% بعد أن تنصّل ترامب من الاتفاق النووي، والحرب الآن بإغلاقها ملف التفاوض تمنحها الوقت والمبرر لصنع السلاح النووي. بينما يأخذ نتنياهو إسرائيل إلى مغامرة خطرة للغاية، ويدخلها في مسار لا رجعة عنه اعتماداً على تحالفه مع الهند واليونان، بدلاً من التعايش مع المحيط العربي الإسلامي، فيما يؤدي انخراط أميركا في حرب إقليمية بالشرق الأوسط إلى ترك حديقتها الخلفية في أميركا اللاتينية والوسطى وحتى كندا، لترتيب أمورها بمعزل عنها، هذا فضلاً عن أوروبا التي بدأت منذ وقت طويل ترتيب أمورها بمفردها، ثم بدأت مؤخراً مرحلة فك الشراكة حتى الأمنية منها مع الولايات المتحدة.