العشق الممنوع… حين تُشهِدُ القنصليةُ العالمَ على زفاف الأسطورة بالاستيطان الإسرائيلي
نشر بتاريخ: 2026/02/27 (آخر تحديث: 2026/02/27 الساعة: 18:28)

في لحظةٍ سياسية لا تخلو من الرمزية الثقيلة، أعلنت السفارة الأمريكية في إسرائيل نيتها تقديم خدمات قنصلية داخل المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية. فجاء ردّ اللجنة التنفيذية لـمنظمة التحرير الفلسطينية حاسمًا: خطوة مرفوضة وغير قانونية، ومحاولة لتشريع الاستيطان عبر بوابة دبلوماسية ناعمة. لكن المسألة أبعد من خدمةٍ إدارية أو إجراءٍ بروتوكولي؛ إنها إعادة تعريف لمعنى الحياد، وانزلاق متدرّج من الوساطة إلى الشراكة.

القنصلية في المستوطنة ليست نافذة معاملات، بل شهادة ميلاد سياسية لمكانٍ وُلد خارج القانون الدولي. فالمستوطنات، وفق قرارات الشرعية الدولية واتفاقيات جنيف، مقامة على أرضٍ محتلة، وأي تعامل رسمي معها يمنحها اعترافًا عمليًا، حتى وإن غُلّف بلغة الخدمات. هكذا تتحول الدبلوماسية من أداة توازن إلى غطاء شرعي لفرض الأمر الواقع.

وإذا استُحضرت التصريحات التي أطلقها السفير الأمريكي لدى إسرائيل حول السرديات التاريخية التي تلامس فكرة “إسرائيل من الفرات إلى النيل”، تتكشف خلفية أعمق للمشهد؛ فحين تُروى الأسطورة من موقع القرار السياسي، لا تبقى حكاية رمزية، بل تتحول إلى خطاب يمهد لتمدد الجغرافيا على حساب القانون. الأسطورة هنا لا تُقرأ في كتب التراث فقط، بل تُكتب أحيانًا على مائدة السياسة الدولية.

لقد كان الصراع السياسي في كثير من مراحله أشبه بـ“العشق الممنوع” بين الانحياز السياسي واللغة الدبلوماسية المحايدة؛ انحيازٌ موجود لكنه محاط بسياج من الحذر. أما اليوم، فيبدو المشهد أقرب إلى إعلان علاقة علنية أمام العالم، حيث تتدرج القرارات من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، إلى نقل السفارة، وصولًا إلى تقديم الخدمات القنصلية داخل المستوطنات. إنها رحلة انتقال من الغزل السياسي الخفي إلى الاحتفال العلني بعلاقة لم تعد تحتاج إلى ستار.

خطورة هذا التحول لا تكمن في أثره الإداري، بل في أثره على مفهوم العدالة الدولية ذاتها. فحين تُروَّج الأساطير كمرجعية سياسية، ويتحوّل الاحتلال إلى واقع يُدار عبر الإجراءات، تتآكل فرص الحلول القائمة على القانون الدولي. كيف يمكن الحديث عن حل الدولتين فيما تُمنح المستوطنات مقومات الاعتراف العملي؟

إن مطالبة اللجنة التنفيذية بإلزام السفارة الأمريكية بقواعد القانون الدولي ليست مجرد احتجاج سياسي، بل دفاع عن مبدأ أساسي: أن الأرض لا تُكتسب بالخدمات القنصلية، وأن الرواية لا تصنع الحق، وأن الاحتلال لا يتحول إلى شرعية بمرور الزمن.

وفي زمنٍ تتحول فيه العلاقات السياسية السرّية إلى مشاهد علنية، يبقى السؤال الفلسطيني مفتوحًا أمام العالم: هل يحكم الجغرافيا القانون، أم تُعيد الأساطير رسم حدود الأرض والوعي معًا؟