انطلاق مزاد الانتخابات الإسرائيلية
نشر بتاريخ: 2026/02/20 (آخر تحديث: 2026/02/20 الساعة: 18:24)

حدد وزير المالية الإسرائيلي المتطرف، رئيس حزب الصهيونية الدينية بتسئليل سموتريتش الخطوط العامة لحملته الانتخابية القادمة، بالقول بأن أحد أهدافه في الولاية القادمة هو إلغاء اتفاقيات أوسلو وتفكيك السلطة، وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الفلسطينية، معتبراً ذلك المسار هو الحل الوحيد على المدى البعيد، وقد جاءت تصريحات سموتريتش، في اليوم نفسه الذي صرح فيه نفتالي بينيت رئيس الوزراء السابق اليميني أيضاً، الذي كان يرأس حزب البيت اليهودي، بأنه لن يشارك في حكومة برئاسة بنيامين نتنياهو، وأنه يعتزم قيادة إسرائيل نحو فصل جديد أقوى.

الطريف أن كلا الرجلين يُعتبران ممثلين لناخبي المستوطنين، وهما بحزبيهما يُعتبران على يمين اليمين، وقبل ان يظهر سموتريتش، كان بينيت يرفع صوته عالياً رافضاً لأي حديث عن الدولة الفلسطينية، لكن بالمقارنة بينهما، فإنه في الوقت الذي تظهر فيه استطلاعات الرأي الحالية، عدم تمكن حزب سموتريتش من تجاوز نسبة الحسم، فإنها تمنح حزب بينيت الذي أنشأه كحزب شخصي، الموقع الثاني بعد الليكود، فيما يتمتع هو شخصياً بالمرتبة الثانية لدى الناخبين بعد نتنياهو في موقع رئيس الحكومة، هذا وفق استطلاعات الرأي بالطبع.

وكان بينيت قد ترأس الحكومة التي نجمت عن انتخابات الكنيست التي جرت في آذار 2021، رغم ان حزبه لم يحصل سوى على سبعة مقاعد فقط، وقاد حكومة غير مستقرة، هي نفسها جاءت بعد 3 دورات انتخابية لم تشهد استقراراً حكومياً، ولم يستطع بينيت ولا ما سمي بالحكومة البديلة التي جمعت أحزاباً يمينية مع أحزاب الوسط والجنرالات، اجتمعت رغم تناقضاتها على الإطاحة بنتنياهو فقط، باختصار بينيت لا يُعد بديلاً سياسياً لا عن نتنياهو، ولا عن سياسة اليمين الرافضة منذ عام 94 للحل السياسي وفق صيغة حل الدولتين، وبيينت ليس افضل حالاً، ولا يعتبر معتدلاً او حتى مختلفاً عن سموتريتش.

المهم في الأمر، انه بعد ان شهدت إسرائيل منذ آذار من العام 2019 متوالية انتخابات مبكرة للكنيست، لدرجة انه أُجريت عام 2019 جولتان انتخابيتان، واحدة في نيسان والثانية في أيلول من العام ذاته، وبعد الكنيست الرابع والعشرين الذي جرت انتخاباته في آذار 2021، والتي بنتيجتها اتضح تماماً بأنه بعد انسحاب اليسار الإسرائيلي، من حلبة منافسة اليمين التقليدي المتمثل بالليكود، بات اليمين المتطرف هو الذي ينافس اليمين الليكودي، ورغم ان الكنيست الرابع والعشرين جاء باليميني المتطرف بينيت رئيساً للحكومة، فإنه تم حل الكنيست مبكراً، ولم يتول الوسطي يائير لابيد رئاسة الحكومة، بعد تبكير موعد الانتخابات إلا بضعة اشهر، كانت خلالها حكومة تسيير أعمال، وهكذا كانت حكومة بينيت_لابيد بمثابة فاصل عرضي بين حكومات نتنياهو المتواصلة منذ عام 2009 حتى العام 2021.

ولعل احد مظاهر الانزياح الإسرائيلي من اليمين الى اليمين المتطرف، هو سياسات نتنياهو خلال ولايته الحالية، ومجمل ما سارت عليه حكومته التي تشكلت على اثر انتخابات تشرين الثاني 2022، حيث فاز تحالف اليمين مع اليمين المتطرف بأغلبية صريحة، مكنته رغم كل المعارك الداخلية والحروب الخارجية التي خاضها طوال أعوام 2022_ 2025، من أن يكمل ولايته دون ان يضطر الى تبكير موعد الانتخابات التي يفترض ان تجري في تشرين الأول من العام الحالي، أي بعد نحو ثمانية أشهر من الآن.

من الواضح بأن نتنياهو قد اجتاز الامتحان الأصعب، ذلك انه خاض معارك داخلية مع القضاء في العام الأول لهذه الحكومة، اي العام 2023، وقبل ان يمضي عام واحد، كان قد دخل في حرب إقليمية ما زالت متواصلة، وكان من شأن ذلك أن أبعد عنه شبح الخروج من الباب الضيق، اي عبر إدانته قضائياً في تهم الفساد التي يواجهها منذ سنوات طويلة، والتي كانت مادة التحريض الرئيسية ضده من قبل خصومه السياسيين، والتي أثرت وما زالت تؤثر دون شك، على اختياره مواصلة الحروب الإقليمية، لتجنب الإدانة والخروج النهائي من مسرح السياسة.

وربما كان أحد أهم دوافع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الطلب من رئيس إسرائيل منح نتنياهو العفو، هو ان يتحرر نتنياهو من هذا الدافع، ليتحرر ترامب نفسه بدوره، من انخراطه حتى أذنيه في ملفات الشرق الأوسط الشائكة، ومن اضطراره ليختار أحد الخيارين اللذين كل واحد منهما أسوأ من الآخر، نقصد خيار الحرب الإقليمية، تحت تأثير نتنياهو الذي ما زال يلح عليه للدخول في حرب مفتوحة مع إيران، بعد ان لم يكتف بتلك الضربة التي قام بها ترامب في حزيران الماضي عبر قصف الطائرات الأميركية المفاعلات النووية الإيرانية، وحيث لا يتيح نتنياهو لترامب الوقت ليتنفس، وهو الذي يواجه العالم بأسره، ولا يعرف كيف يعيد تثبيت أركان النظام العالمي الأميركي، وكيف يمكنه ان يفعل ذلك باستخدام القوة العسكرية بشيء من التركيز، وفي هدوء يقلل من نسبة المغامرة، ويرجح احتمالات الفوز، إن كان مع إيران او غيرها.

وبالعودة الى تصريحات كل من بينت وسموتريتش، يظهر بأن موسم الانتخابات الإسرائيلية قد بدأ مبكرا، وان التنافس الجدي هذه المرة هو بين «رموز» التطرف اليميني، ذلك أن بينيت كان قد رئس الحكومة البديلة الناجمة عن الكنيست الرابع والعشرين، ولكن وفق برنامج الائتلاف المتنوع، أما اليوم فاستطلاعات الرأي تمنحه المرتبة الثانية كرئيس للحكومة والموقع الثاني كحزب، أي انه يطمح ليكون رئيس الحكومة استناداً لقوته الحزبية، وليس على اساس انه شخصية بديلة فقط عن نتنياهو، أما سموتريتش، والذي دخل بقوة دائرة صنع القرار، من خلال توليه الوزارة الثالثة في الأهمية بعد وزارتي الخارجية والدفاع، وشكل مع إيتمار بن غفير قوة ضغط، استغلت كثيراً خوف نتنياهو من انفراط عقد الائتلاف، وسقوطه من الحكم، بما يجره الى السجن مداناً بتهم الفساد، فإنه بعد تآكل مكانته لصالح بن غفير، يحاول ان يعود أولاً بتجاوز نسبة الحسم، وتالياً بتكرار ما فعله خلال الحكومة الحالية، من مواصلة الضغط لمواصلة إسرائيل حرب الإبادة، ومن التصدي لمهمة مواصلة خنق السلطة الفلسطينية، ولهذا يجيء شعاره بمثابة إكمال لتلك المهمة.

وكأن سموتريتش يطالب جمهور المستوطنين، الذين خاطبهم يوم الثلاثاء الماضي، بأن يستعدوا لخوض الانتخابات القادمة لمساندته حتى يعود لإكمال مهمة إلغاء اتفاقيات أوسلو الملعونة وفق وصفه، وفرض السيادة على الضفة وتنفيذ الهجرة في قطاع غزة، وذلك استشعاراً منه بخطر عدم تجاوز حزبه لنسبة الحسم.

بالطبع ليس بينيت وسموترتيش وحدهما في ميدان التنافس، فهناك بن غفير، الذي مازال حزبه محافظاً على مكانته وفق استطلاعات الرأي، وبالطبع ما زال الليكود يتصدر القوة الحزبية، وان كان بينيت وافيغدور ليبرمان يجلسان اليوم على المقاعد المعارضة لائتلاف نتنياهو، إلا انهما يمينيان جداً، وهذا يؤكد مجدداً بأن إسرائيل لم تعد كما كان حالها قبل عقود منقسمة بين يمين ويسار تقليديين، بل بين يمين بأغلبية الثلثين، ووسط مع عرب مع ممثلي الجيش من جنرالات سابقين. ورغم نجاح نتنياهو في الدخول في العام الأخير من عمر الكنيست الحالي، متجاوزاً بذلك اربع دورات سابقة لم ينجح اي كنيست منها في إكمال دورته البالغة اربع سنوات، إلا ان تبكير موعد الانتخابات ما زال وارداً، والغريب ان مفتاح هذا الأمر في يد نتنياهو، وليس بيد خصومه، وهو يمكن ان ينجم عن اندلاع الحرب من عدمها مع إيران، او بدرجة أقل ارتباطاً بالصراع داخل الائتلاف الحالي بين اليمين واليمين المتطرف من جهة والحريديم من جهة ثانية على خلفية قانون التجنيد والميزانية.

والحقيقة ان نتنياهو بات أمام الخطوة الأخيرة في كل مسيرته السياسية، وهو يريد الحرب _حياً أو ميتاً_ او بكل ما أوتي من قوة، يريد حرباً أميركية مع إيران، ينتج عنها تدمير إيران عسكرياً واقتصادياً وإسقاط نظامها، وبالتالي تحقيق سيطرة إسرائيلية على الشرق الأوسط، تحقق له شعار «إسرائيل الكبرى» حلمه التاريخي، الذي سيجعل منه ليس مجرد رئيس حكومة أمضى المدة الأطول، في المنصب وحسب، بل أهم شخصية تاريخية، أهم من ديفيد بن غوريون ومناحم بيغن، والى جانب جابوتنسكي وثيودور هيرتزل، لكن مع أن الأمر يُعتبر مغامرة، إلا أن خيار الحرب يُعتبر نموذجياً تماماً لنتنياهو، فالفرصة لن تتكرر، خاصة وان الحديث يجري عن حرب إسرائيلية عبر الوكيل الأميركي، حتى لو فشلت أميركا لسبب ما في تحقيق الأهداف الإسرائيلية السياسية والعسكرية، فإن نتنياهو سيدخل الانتخابات في موعدها او مبكراً بفرصة افضل، هذا مع استمرار عدم تأكيد هذا المسار، ارتباطاً بما سيحققه العرب في انتخابات الكنيست، وما يمكن لإيران بدعم لوجستي صيني وروسي، يشبه دعم اميركا وأوروبا لأوكرانيا، في المواجهة العسكرية والتفاوضية مع أميركا.