غواصة نووية في الظلام… وأمّة تترقّب على رصيف الموت
نشر بتاريخ: 2026/02/15 (آخر تحديث: 2026/02/15 الساعة: 16:51)

حين يخرج رئيس أقوى دولة في العالم ليقول: «أرسلنا غواصة نووية إلى الشرق الأوسط، ولن نكشف عن موقعها، وسنستخدمها متى لزم الأمر»، فالمسألة لا تتعلق بتصريحٍ عابر، بل بعقيدة قوة تُدار بمنطق: نحن هنا… وأنتم هناك.

غواصة تتحرك في الظلام، تحت مياهنا، قرب شواطئنا، في جغرافيا أنهكتها الحروب والانقسامات، فيما يقف النظام العربي الرسمي على الرصيف يترقّب الخطر القادم، يعدّ أمواج البحر، ولا يملك حتى حق السؤال: لماذا؟ وبأي شرعية؟ ولأي رسالة؟

قرأتُ الخبر، فعكّر مزاجي، وغفوت على وسادة الضياع الإنساني. رأيتني في المنام طفلًا مدلّلًا للشرق الأوسط، جمعتُ “حصّالة” من زعمائه، أطلب منهم ثمن غواصة نووية، لا لأحارب، بل لأتفاوض. اشتريتها في الحلم، وأرسلتها قرب السواحل الأمريكية، دون أن أكشف عن موقعها. ضجّت السياسة هناك، وارتجّت طاولات التفاوض، واتفق الطرفان على سحب الغواصات من كل جانب، وعاد كل سلاح إلى بلاده، ووقّعوا بنود السلام.

استيقظتُ مبتسمًا.

حتى وأنا أحلم… شعرتُ بالقوة.

لكنني حين فتحتُ عيني على الواقع، وجدتُ الشرق الأوسط ما يزال ساحةً مفتوحة لتجارب الآخرين. يُسمح لدول بامتلاك السلاح النووي، ويُحرَّم على أخرى. يُمنح البعض “حق الردع”، ويُصنَّف سعي غيرهم إليه تهديدًا للأمن العالمي. هكذا، ببساطة، تُعاد صياغة الأخلاق السياسية بحسب هوية الحائز على القوة، لا بحسب طبيعة السلاح ذاته.

السؤال المحرج:

هل العرب لا يملكون ثمن غواصة نووية؟

أم أنهم لا يملكون ثمن القرار؟

المسألة ليست مالية. دول عربية تملك من الاحتياطات والاستثمارات ما يفوق ميزانيات دول نووية، لكنها تفتقد الإرادة المشتركة، والرؤية الموحّدة، ومفهوم الأمن القومي العابر للحدود الضيقة. نحن أمة غنية بالأرقام، فقيرة بالمشروع.

العالم لا يحترم الضعفاء، بل يحترم من يعرف ماذا يريد. والردع ليس بالضرورة سلاحًا نوويًا، بل قد يكون وحدة موقف، وتكامل اقتصاد، وبحثًا علميًا متقدمًا، وصناعة دفاعية مشتركة، ومجلس أمن عربي حقيقيًّا لا شكليًّا، يعرّف مصالحه بوضوح، ويضع خطوطًا حمراء لا تُداس.

حين تمر غواصة نووية في مياهنا دون مساءلة سياسية عربية جماعية، فالمشكلة ليست في الغواصة، بل في الفراغ الذي تتحرك فيه. الفراغ يُغري القوى الكبرى بالتمدد، ويحوّل الشرق الأوسط، في نظرهم، إلى “شرقٍ أدنى”، ساحة نفوذ لا فضاء سيادة.

لماذا يُسمح للبعض بامتلاك السلاح النووي ويُحظر على العرب؟

لأن النظام الدولي لا يُدار بالأمنيات، بل بتوازنات القوة. ولأن معاهدات حظر الانتشار صيغت في زمن كانت فيه القوى الكبرى قد حسمت امتلاكها للسلاح، ثم أغلقت الباب خلفها. العدالة في السياسة الدولية ليست قيمة أخلاقية، بل نتيجة ميزان.

لكن هل الحل أن نركض نحو سباق تسلّح نووي؟

أم أن الحل أن نمتلك أدوات الردع الشامل: اقتصادًا منتجًا، وتعليمًا ثوريًا، وبحثًا علميًا، واستقلال قرار، وتحالفًا عربيًا حقيقيًا لا يُختزل في بيانات شجب؟

إلى متى سنعزف على ربابة الضعف العربي؟

وإلى متى تبقى سمفونية الخوف من “المجهول الأمريكي” تعزف في خلفية المشهد السياسي؟

السلام لا يُمنح للضعفاء، بل يُنتزع انتزاعًا سياسيًا عبر القوة المتوازنة. والدول العظمى لن تتركنا نبني مستقبلنا بأيدينا ما لم نثبت أننا قادرون على حمايته. السيادة لا تُطلب، بل تُمارس. والفضاء لا يُمنح، بل يُحلّق فيه من صنع جناحيه.

لسنا عبيد زمن الأسياد الجدد، إلا إذا ارتضينا دور التابع.

ولسنا عاجزين عن كتابة معادلة جديدة، إلا إذا خفنا من حبرها.

حلمي لم يكن عن غواصة نووية.

كان عن توازن يعيد للشرق الأوسط احترامه.

كان عن طاولة تفاوض يجلس عليها العرب، لا كأطراف هامشية، بل كقوة متماسكة.

فهل يتحقق الحلم؟

يتحقق يوم نكفّ عن انتظار الغواصات القادمة من وراء البحار،

ونبدأ ببناء السفن في مرافئنا نحن.