في العام الجديد ..!
نشر بتاريخ: 2026/01/01 (آخر تحديث: 2026/01/01 الساعة: 18:03)

ليس لعقارب الساعة أيّ ذنب، لا ببقاء الحال على حاله، ولا في تغيّر الواقع من حالٍ إلى حالٍ جديد.

العام الجديد هو حالة افتراضية ابتدعتها النفسية البشرية، إمّا لأنها تعبت من العام الذي يُغادرها مع انطباقات عقارب الساعة على بعضها، أو أنها تأمل وتتوق أن يكون العام الجديد أقلّ وطأة، وأرحم من هموم وثقل ما عانته النفس الإنسانية من ويلات وخيبات وخسارات.

ولكن، وفي الحالتين فإن لحظة انطباق «العقارب» ليست سوى حالة نفسية، وليست سوى الوهم الذي يصنعه الإنسان لنفسه، ويأمل أن تتحوّل إلى لحظة حقيقية، لحظة للرجاء والأمل، ومفارقة للاستبشار بفرح يدوم، وترح يزول ويرحل ويبتعد.

إذا تجنّبنا لحظة الانقطاع أو لحظة وهم الافتراق بين عامين، أي إذا ابتعدنا عن رؤية الحقيقة في جانب واحد، أو على ضفّة واحدة من ضفّتي العام فإن العام الجديد ما زال «أيلولياً» في الواقع الفلسطيني، ولكنه يُبشّر بموسم شتوي ماطر، وبربيع زاهر، وقد تشهد فيه من حصاد الغلّة ما يجعل صيفنا القادم صيفاً لم نعتد عليه منذ عقود طويلة.

الحقيقة أننا هنا نتحدث عن عامين بمعنى مرحلتين، ونتحدّث عن افتراقات وعن انقطاعات، وربّما انفصالات لا ترتبط بعقارب الساعة، وإنما بحالة أُفول، وحالة ولادة، أُفول لا بدّ أن يحدث، وولادة جديدة مهما كانت متعثّرة.

إذا نظرنا إلى العام الجديد كمرحلة، وإذا نظرنا للعام الذي يهمّ بالمغادرة كمرحلة توشك أن تضع أوزارها، والحروب الكبيرة هي بمثابة مرحلة أو عنوان لها فإن ما أراه يستند ويحتكم للمعطيات التالية.

في الواقع الداخلي الفلسطيني بدأت الحالة الرسمية الفلسطينية بالمغادرة «الرسمية» إلى منطقة لم تعد في الواقع ساحة للصدام مع المشروع الصهيوني، وأصبح همّها الأوّل المحافظة على «بقائها»، ما يُنذر برأيي بولادة جديدة للحركة الوطنية الجديدة مهما كانت متعثّرة، لأن استمرار الحال بات من المحال، ولأن تجديد هذه الحركة أصبح بمثابة ضرورة موضوعية، وحسم المسألة ــ بالرغم من كل الصعوبات والتحدّيات والتعثّرات ــ وبصرف النظر، أيضاً، عن الأشخاص والمسمّيات، والأحزاب والعناوين وأسماء الفصائل والتنظيمات هو بحدّ ذاته اتجاه إيجابي كبير لجهتين على الأقلّ.

الجهة الأولى هو البدء الحقيقي بالعدّ العكسي للانقسام وفق المعادلة السابقة لهذا الانقسام، والاستقطاب الجديد ــ إذا جاز التعبير ــ ليس بين «فتح» و»حماس»، وليس بين مقاومة ومساومة، وليس بين قابلين ورافضين، ولا بين فاسدين، وغير فاسدين، ولا بين إسلاميين وغير إسلاميين، وإنما بين من يرغب، ومن يملك الإرادة، ومن هو على استعداد لتحشيد طاقات المجتمع والشعب، ومن يتقدّم الصفوف لمجابهة المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية، وبين من باتوا يبحثون عن موطئ قدم قديم أو جديد في إطار عام من هيمنة المشروع الأميركي الصهيوني على مجريات الإقليم، حتى وإن كانت هذه الهيمنة لا تعني إحكام السيطرة عليه.

إذا تمعّنا بما يجري على أرض الواقع نلاحظ أنّ صراعاً خفياً، ومكشوفاً يحتدم ــ حتى ولو أنه لا يعبّر عن نفسه بوضوح ــ داخل المؤسسات الفلسطينية الرسمية، وشبه الرسمية الحاكمة بموجب الشرعية، والحاكمة بموجب ما تكرّس من واقع.

في «حماس» لدينا بوضوح تام الخطّ الذي يمثله خالد مشعل، والذي بات يجاهر باستعداده أن يكون جزءاً من «ترتيبات» الإقليم، بل «توسّل» في الواقع مثل هذا التواجد، ولم يشعر بالحرج أن يتمّ «النظر» إليه كما تنظر الإدارة الأميركية للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع المنصّب بقرار نقله من «مصاف» المطلوب للعدالة الدولية، كإرهابي إلى مصاف الرئيس المقدّرة «جهوده» في إطار الإستراتيجية الأميركية الصهيونية.

تجرى انتخابات «حماس» لاختيار القيادات الجديدة، على مستوى إقليم قطاع غزة، والضفة الغربية والخارج على أساس هذه المعادلة التي رأينا أولى تجلّياتها في كلام الناطق الجديد باسم «القسّام»، وفي صفة الاستعجال التي نشهدها لانتخابات الحركة، وفي خضمّ «الترتيبات» التي يدافع عنها ترامب للدور التركي في القطاع في المرحلة الثانية من رؤيته التي عُبّر عنها في «شرم الشيخ»، ثمّ في قرار مجلس الأمن، ثم في قرار «وقف إطلاق النار».

ومهما حاولت «حماس»، أن تلبس ثوب الواقعية لهذا الصراع الداخلي فهو صراع يدور في لحظات حاسمة وحول اتجاه ووجهة، وهو خيارات واختيارات قادمة. وبالمقابل، يدور صراع من نفس النوع، حتى وإن كان ليس بنفس الدرجة أو الشكل بين المؤسسة الرسمية وبعض مكوّناتها، وبين المؤسسة الرسمية وقاعدتها السياسية بدأت تتمظهر في بعض الاحتجاجات حول قضايا مفصلية، حاسمة وحسّاسة مثل مخصّصات الأسرى والشهداء والجرحى، وسيدور مثل هذا الصراع وسيتجلّى بصورة أكبر وأعلى في المراحل القادمة حول قضايا الفساد و»توزيع» المقدّرات، وحول المناهج والترتيبات، وحول الانتخابات وقوانينها وشروطها في سابقة ستبدو فيها «فتح» أمام اختبارات صعبة، وأمام خيارات واختيارات جديدة.

باختصار، لن نكون أمام «فتح» وحلفائها، ولا حول «حماس» وأنصارها ومؤيّديها أو الملتزمين بنهجها لأسباب دينية، وإنما سينتقل التحالف معها موضوعياً، وبصورة أعمق إلى الدائرة الوطنية كمعيار أوّل في هذا التحالف، وهو نفس المعيار الذي ستتشكّل على أساسها خارطة التحالف «الفتحاوية» القادمة.

صحيح أنّ العصبوية الخاصة والفئوية لن تختفي بين ليلة وضحاها، وصحيح أن عملية كبيرة ستجري في أتون هذه العملية من خلط الأوراق، ومن تشويه الصورة، ومن حملات تبدأ ولا تنتهي من التشكيك المتكالب، من زوايا واتجاهات متعدّدة بجدوى هذا الفرز، وبأهميته ودوره في التأسيس لحركة وطنية متجدّدة تعيد قراءة المشروع الوطني، وتعيد بناء المؤسّسات الوطنية، وتعيد الاعتبار لدور المجتمع في تحديد المسار والاختيار، إلّا أن هذا التكالب وبهذه الحملات ليس هو في الواقع، وفي الحقيقة إلّا جزءا عضويا من كامل هذا المخاض.

وهذا كلّه ليس الوجه الأوّل للتفاؤل بالمرحلة الجديدة لأن هذا الاتجاه، والذي كان موضوعياً بقدر ما كان ضرورياً، بات مؤكّداً ــ كما أرى ــ وبات مطروحاً على جدول أعمال المجتمع، وعلى جدول طلائع عملية إعادة هذا البناء.

وأما الوجه الثاني فهو النظام العربي التقليدي والذي تخاذل عن وقف حرب الإبادة قد بدأ بالتداعي من حيث بعض المؤشّرات الجديدة.

من الواضح ــ لي على الأقل ــ أنّ «التعاون الخليجي» بدأ بالانهيار، ليس فقط بسبب اللهجة السعودية الحاسمة ــ وهي فعلاً حاسمة، وغير مسبوقة، ولولا شدّة الخَطْب لما كانت حاسمة إلى هذه الدرجة ــ وبسبب الارتباك الذي بدا عليه هذا النظام في ضوء الإنذار السعودي.

واضح أنّ قطر وعُمان والكويت، كل لأسبابه سيرون في الإنذار السعودي بدايةً لمرحلة جديدة من «الائتلاف»، وستنظر البحرين إلى هذا الأمر بأشدّ درجة من الحذر والارتباك دون القدرة على حسم الموقف، مع أنها تؤيّد الإمارات في كل ما تذهب إليه.

لكن الارتباك الأكبر بات الآن واضحاً في باقي مكوّنات الجامعة العربية، ولا ترى الأنظمة العربية من بُدٍّ لتفادي تداعيات الموقف السعودي، وتعمل لوقف التدهور، وبعضها حتى وإن وقف مؤازراً له إلّا أنه لا يستطيع أن يستغني عن «الخدمات» الاستثمارية الإماراتية، وعند درجة معيّنة من تفاقم هذه الأزمة، وإذا لم، أو لن يتم احتواؤها بسرعة خاصة ستجد هذه الأنظمة وقد دخلت في مرحلة جديدة من التباس الخرائط السياسية في الإقليم، خصوصاً أن الأمر سيمتدّ على استقامته وصولاً إلى التحالفات الإقليمية الأوسع والأشمل مع كل من إيران وتركيا، وطبعاً، وقبل كل شيء مع دولة الاحتلال.

هذا الاتجاه بإعادة بناء خرائط الإقليم قادم لا محالة لأن المخطّط الأميركي الصهيوني يريد ويرغب بإعادة ترتيب أوراق الإقليم دون أن يكون هناك في الإقليم من يكون رأساً قيادياً مكرّساً، أو بالأحرى تريد أميركا والدولة العبرية إقليماً مجزّأ ومشتّتاً حتى تسهل السيطرة التامة والكاملة عليه.

هذا المؤشّر سينهي «البلادة الشاملة» للإقليم في الموقف من الصراع، وسينهار الإجماع العربي الذي اعتمد على إستراتيجية التخاذل، والذي وجد في مسائل مذهبية وطائفية ذرائع كافية من وجهة نظره لهذا التخاذل.

وفي الإطار الدولي، المؤشّرات على انهيارات غربية تبدو باتت محلّ إجماع كامل أو شبه كامل، إن كان على مستوى الدخول في أزمات لا تختلف عن «الكساد العظيم» إن لم تكن أكبر وأخطر منه، أو كانت على مستوى الانهيارات الجيوسياسية والتفكّك وتغيّرات شاملة في خرائط التحالفات الداخلية والخارجية لكامل المنظومة الغربية.

وبعد أن حسمت روسيا أمرها نهائياً باتجاه فرض شروطها على أي اتفاق قادم للأزمة الأوكرانية، وبعد أن أعادت الصين شروطها السياسية الحازمة والحاسمة لمسألة تايوان، وأكدت أن شروطها للتعاون الاقتصادي والتجاري مع «الغرب» كلّه ليس له أي علاقة من قريب أو بعيد بحقوقها في تايوان يصبح مستقبل العالم في غاية الوضوح. إمّا تعاون متعدّد الأغراض من دون مكاسب سياسية لـ»الغرب» أو التنافس كلّ حسب إمكانياته على المنافسة، أو الصدام العسكري، إمّا بالوكالة أو بصورة مباشرة، وفي كلّ الأحوال فإنّ «الغرب» لن يتمكّن من الانتصار ما يعني أنّ العالم قد تغيّر وانقلب.

وأخيراً فإن دولة الاحتلال التي يقول ترامب إنه أنقذها من «الفناء»، وأنه لولا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المطلوب لـ»الجنائية الدولية» لانتهت الدولة من أساسها باتت مطروحة على مستوى الفناء من عدمه، والبقاء من عدمه في مؤتمرات صحافية للشخصين اللذين يفترض أنهما «أبطال الفناء والبقاء»! وهو مؤشّر كافٍ لأُولي الألباب. كل عام وأنتم بألف خير، والقادم مهما كان يبدو صعباً إلّا أنه واعد ومبشّر.